…. أثير الجدل مجدداً حول مبادرة السلام العربية بين مؤيد لسحبها ورافض، واحتدم النقاش بعد اتخاذ مجلس الامة الكويتي قراراً وافقت عليه الحكومة بالانسحاب من المبادرة، ما دفع وزراء الخارجية العرب الى رفع المسألة الى القمة العربية المقبلة، وهي المكان الصالح لمناقشة قضية على مثل هذا المستوى.
… وحتى لا يكون القرار أو الموقف محكوماً بالانفعالية كرد على العدوان الاسرائيلي الهمجي على "اسطول الحرية" فإن الجميع مطالب بالتروّي والحكمة، والقيام بمناقشة هادئة وحوار موضوعي حول النتائج المتوخاة من سحب المبادرة أو التمسك بها، خصوصاً ان مبادرة السلام العربية تم إقرارها في القمة العربية التي انعقدت في بيروت، وبإجماع الملوك والامراء والرؤساء العرب، ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي – الاسرائيلي يظهر العرب أمام العالم كله انهم طلاب سلام عادل وشامل، ما وضع اسرائيل أمام المجتمع الدولي في موقف حرج للغاية.
… اسرائيل غير مستعدة للقبول بسلام أو بتسوية، وهي كيان قائم على العدوان وسلب حقوق الآخرين، لكن الرأي العام العالمي، وعلى مدى ستة عقود من الزمن، كان مقتنعاً بأن هذا الكيان ديموقراطي مسالم ومهدد من العرب، وقامت وسائط الاعلام الصهيونية في اميركا وأوروبا بحملة واسعة تظهر اسرائيل بأنها دولة صغيرة مهددة من العرب بإغراقها وقذف اليهود في البحر، ومن الشجاعة أن نعترف أن اللوبيات اليهودية التي تسيطر على الإعلام الاميركي والاوروبي حققت نجاحات في استقطاب أغلبية الرأي العام الدولي، وتعبئته ضد العرب.
… إلا أن مبادرة السلام العربية عندما أعلنت صوّبت الموقف، وبدأ الرأي العام الدولي يقتنع، ولو نسبياً، بأن العرب الذين كانوا يرفضون كل المبادرات تغيّروا، وهم فعلياً يريدون السلام، وعزز الموقف العربي الحماقات الإجرامية الاسرائيلية من ارتكاب مجزرتي قانا الاولى وقانا الثانية في لبنان، وصولاً الى مجزرة جنين، وبعدها الحرب ضد غزة ومحاصرتها وبناء المزيد من المستوطنات في الاراضي الفلسطينية، فظهر ان العرب بل تأكد للعالم انهم هم الضحية.
.. ما تعنيه مبادرة السلام العربية هو دلالاتها على مساحة العالم، وكل المؤشرات تؤكد أن اسرائيل التي رفضتها أساساً تعمل لدفع العرب الى التخلي عنها، وربما من الخطأ الشديد أن يقوم العرب بسحبها، وفي هذا الوقت بالذات، والأجدى تركها والتمسك بها، والإصرار على تنفيذها، حتى تكون ارتداداتها صعبة جداً على اسرائيل، التي لم تعد بقادرة على التلاعب بالتعبئة الدولية، بعدما انكشفت مجازرها أمام العالم وبالصور الواضحة التي لا لبس فيها.
… نحن ندرك أن اسرائيل لن تستجيب للمبادرة، وإن السلام أساساً ليس متاحاً في هذه المرحلة، خصوصاً أن الذين يحكمون اسرائيل هم أعتى المتطرفين اليهود، إلا ان إعلان العرب التمسك بها على الاقل سيكون أشبه ما يكون بحملة إعلامية واسعة لمصلحة القضية الفلسطينية، وأيضاً، فإن هذه المبادرة ستكون مجال استقطاب لمزيد من المتعاطفين في العالم مع قضيتنا المحقة.