دون ادنى شك فان الرأي العام المسيحي اصبح اكثر ادراكا لما ينتظره في المستقبل القريب والبعيد في حياته اليومية وخصوصاً في المدن والاحياء المسيحية وتأكيد بشاعة الصورة المنتظرة بسوادها القاتم كان محتماً قياسا على «الحياة المسيحية» الهادئة التي عاشها هؤلاء طيلة اكثر من ثلاثة عقود تخللها عنف ومجازر دون شفقة وفق اهداف لم يتم تحقيقها لاي فريق منهما مما يدعو الى الاستنتاج ان ثمة امرين اكيدين لاهداف الصراعات:
الاول: نزعة السيطرة الذاتية المقرونة بحب الوصول نحو كرسي كانت ذات قيمة في يوم من الايام على الاقل دستورياً.
الثاني: وهذا العامل يغلب عليه طابع الاستكانة والاستماع الى نصائح من خارج الحدود، وما يعطي مصداقية لهذا الشرح المقتضب هو فقدان اي هدف جراء سلسلة المآسي التي ضربت المجتمع المسيحي برمته، فالمراهنة على الخارج لضرب الآخر اودت بالمراهنين اما الى السجن او النفي او عمليات التصفية في مجتمع مسيحي من المفترض ان تظلله صفة المحبة الجامعة للمنتمين الى هذا الدين المتسامح الذي يهوى الطلاق الدائم.
ثلاثون سنة من الصراع ولم يتعلم احد ان السلاح لا يحل مشكلة، وتقول اوساط وزارية مخضرمة ان العلة لم تعد كامنة في تحكيم الضمائر فحسب بل في عملية التفتيش عن مجرد وجودها في رؤوس المتقاتلين، وتضيف: يعلم الجميع ان مسألة التعلم او الاكتساب لمعضلة ما تكمن في تكرار الفعل والتطلع نحو نتائجه وعلى هذا الاساس يمكن التكويع عن اعادة تظهير المشهد نفسه على مدى عقود، اما والحال كذلك وعلى ما هي من اعادة تظهير الصورة نفسها وان كان بواسطة عملية استنساخ «وقف ذري» يحرص على توريث اجيال واجيال ما جنته الايدي من مآس بحق الذات وصولا الى الانتحار الارادي عن سابق تصور وتصميم.
سلسلة طويلة من الصراعات السياسية والدموية طبعت الحياة المسيحية العامة والمارونية منها خصوصاً، ومن يتابع هذه الصراعات يذهب به اغلب الظن ان الموارنة يشكلون عددياً نصف الشرق الاوسط وعملية تناسلهم العددي تتضاعف بشكل لا يوصف، ولكن حقيقة الاعداد تبكي وتوجع وتؤلم، وتذهب هذه الاوساط الى حد نعي التأثير المسيحي بشكل كلي بعد سنوات قليلة اذا ما استمر هذا التناحر ونحر الذات، وتؤكد ان هذا النزف القاتل الاكيد سوف يستمر اذا ما بقي مقياس الفكر المسيحي محدوداً في الزمان والمكان.
ولان المسلسل مستمر والحلقة منه هذه المرة شمالية الهوى كان لا بد من القاء الضوء على ما يجري في هذا الشمال الحزين وفق الصورة التالية:
يقتل تيار المردة قواتياً او محسوبون على المردة اناسا مقربين من القوات فتحفظ الذاكرة الشمالية الحدث وتعيشه بأيامه ولياليه وتمر الايام وليست الشهور فيقتل مقربون من القوات محسوبين على المردة وتشتعل الخطابات السياسية كلٌ على خلفية وارضاء قواعده ومنعا لزيادة او نقصان صوت من هنا او قبضاي من هناك.
شمال حزين منذ ما قبل 1978، صدامات دموية وثأرية زادت من تعقيدات الواقع المسيحي وتخطت آثاره السلبية العلاقة الشخصية بين الزعماء لتصبح الارض خصبة للمحازبين والانصار كل في قريته وبلدته، ولكن هل لهذا الصراع جذور سياسية او عائلية او مناطقية؟
تجيب هذه الاوساط بالقول: انه مما لا شك فيه ان التطلعات السياسية مختلفة لدى كل فريق ان كان في السياسة الداخلية وصولا الى العلاقات الدولية والاقليمية ولقد تشعب هذا التنافس متأثراً بتطور الحياة السياسية والحزبية في لبنان وما تم الحديث عنه في «الوقف الذري» تطور باشكال مختلفة لتنتقل الصراعات بالوراثة جيلا بعد جيل وصولا الى النائب سليمان فرنجية ووريث القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع مع تداعيات قديمة يكمن فيها اصل المشكلة ووقعت جريمة ضهر العين وانكسر «ضهرها» بمقتل شابين من عائلة واحدة، ولشؤم الصدف، ان لم يكن غير ذلك فان القتيلين مقربان من المردة، والقاتل محسوب على القوات اللبنانية لا بل قواتي، وتتالت ردات الفعل السياسية حصرا بفعل جهود الجيش اللبناني واعلن فرنجية ان «ابريق الزيت قد فرغ» وان «مستوى الدم قد ارتفع» ويرد جعجع بانه «يأخذ فرنجية منذ اربع سنوات على الهواء اللطيف»..
واذا احترم نفسه سنحترمه واذا لم يفعل ذلك لن نحترمه ابدا، وازاء تكرار سقوط الضحايا على نحو يهدد الاستقرار، وينذر بتداعيات شهود المسيحيين في المقام الاول كان لا بد من تحرك ما يهدئ النفوس فتحركت الرابطة المارونية برئاسة الدكتور جوزف طربيه والمطرانين رولان ابو جودة وجورج ابوجودة بالاضافة الى اهل الخير في الطائفة في محاولة لابقاء الشرخ السياسي في حده الادنى وعدم تطوره الى صدامات مسلحة على اعتبار ان محاولات ردم الهوة سياسيا لن تفلح فالمواقف متجهة على نحو معاكس تماما.
والتقى وفد المطارنة والرابطة المارونية على وجه السرعة في بنشعي النائب سليمان فرنجية الذي شدد على «ان لكل واحد رأيه في السياسة وهذا حق لكن استفزاز الاخرين امر مرفوض.
ويبدو حسب اوساط الوفد الزائر ان عملية التوصل الى نتائج ملموسة لم يحالفها الحظ باستثناء انه تم التشاور لتهدئة الخواطر، وفيما ذهب البعض الى حد اثارة موضوع المصالحة بين زغرتا وبشري الا ان هذا الامر لم يتم طرحه بصورة موسعة لاعتراضات مبدئية تتلخص بان العلاقات بين البلدتين الكبيرتين ليست بهذا السوء الذي يتصوره البعض، وفيما شدد طربيه على مرجعية الدولة وهي التي تعالج جريمة ضهر العين لفت الى ضرورة تخفيف منسوب التوتر في الشارع وتهوئة النفوس كي يطمئن المواطنون، ولتكون هذه الجريمة عابرة ولا تعبر عن مناخ سياسي او خلفيات سياسية ولا يتبناها اي طرف سياسي.
مصدر قواتي اكد ان الحادث فردي وهو ليس بين القوات اللبنانية وتيار المردة ولا خلفيات سياسية له، وقال المصدر: على الرابطة المارونية ان تتطلع نحو فخامة رئيس الجمهورية والجهود التي يبذلها والاشادة بعمل قائد الجيش العماد جان قهوجي لخفض التوتر، واضاف المصدر: ممنوع التساهل مع اي قواتي يرتكب اية مخالفة لانه سيحاسب وفق القانون ولدى المراجع القضائية المختصة، ونحن نثق بالجيش اللبناني وعلى القضاء ان يأخذ مجراه في هذه القضية، ولكن هذا المصدر اشار الى ان تحرك الرابطة المارونية يوحي للناس وكأن المشكلة بين تيار القوات اللبنانية وتيار المردة فيما اصحاب الشأن بالذات قالوا ان الحادث فردي وسوف تنتهي المشكلة في القضاء اللبناني.
ولفت المصدر الى ان نوايا السادة المطارنة دائما طيبة وعملهم مقبول من قبلنا و«شو ما عملوا بيعملوا صح» وتابع المصدر القواتي بالقول: ان النائب فرنجية لم يترك «للصلح مطرح» وكانت المفاوضات جارية مع المردة بعد الحادثة بالذات ونحن نعرف ان الحادث مؤلم وكبير ولكن جاء المؤتمر الصحافي للوزير فرنجية ليشكل مفاجأة لنا بمضمونه، ودعا المصدر الرابطة المارونية الى ان يضعوا الحادثة في اطارها الصحيح وان لا يتم التنقل بين بنشعي ومعراب، ويعتبرون ان المشكلة بين حزب القوات وتيار المردة فيما هي فردية.
مصدر مسؤول في تيار المردة اثنى على جهود الرابطة المارونية وبكركي معتبرا ان هذا التحرك يدل على ان القضية سياسية بامتياز وقال: ان الهروب من وضع هذه المسألة في الاطار السياسي لم يكن موفقا لان سمير جعجع بحاجة الى الاتفاق مع زوجته ستريدا ولم يكن موفقا بالتنسيق اكثر معها لان السيدة جعجع قد صرحت عقب الحادث بان ما حصل هو امتداد لمشكلة ضهر العين العام 2005، هذا الكلام اضاف المصدر ان دل على شيء فهو يدل على ان المشكل سياسي، وتقول: انه ليس من قبيل الصدفة ان يكون القاتل مسؤولا للقوات اللبنانية في ضهر العين لانه من المتعارف عليه ان يتصرف المسؤول كمسؤول وغلطة الشاطر بالف، اضاف: اما عملية تسليم القاتل فقد كانت من قبل قيادة القوات، وليس ايضا من الصدفة ان يكون القاتل قواتيا وان يكون القتيل من المردة ومن ضهر العين بالذات، وان يكون من العائلة التي كان احد افرادها متهما في قضية ضهر العين عام 2005 وتبين فيما بعد انه بريء بعدما هجرت عائلته، ودعا المصدر القضاء الى ان يأخذ مجراه في هذه القضية ونحن سررنا تمام السرور باعجاب الدكتور جعجع باداء الجيش وايمانه بدور الدولة واهمية موقع الرئيس وهذا يشكل نقلة نوعية في سلوك ما يسمى استيفاء الحق بالذات الى سلوك اللجوءالى القضاء.
وعن موقف فرنجية من جعجع قال المصدر: ان الوزير فرنجية لم يهاجم جعجع انما تم وصفه ولم نتهمه انما نصحناه وصوبنا الامور.
واشار المصدر الى ان الوزير فرنجية هو «بك» ومن بيت سياسي ابا عن جد وهذه ارادة الله ورغبة الشعب معا بدل ان يكون ديكتاتورا على جماعته وتشكل لديه عقدة نقص وختم المصدر مثنيا على عظة البطريرك صفير الذي اعتبر الجريمة خطيئة لا تغتفر وبذلك تكون القوات قد اقدمت على خطيئة لا تغتفر.
اما مصادر الرابطة المارونية والمطرانين ابو جودة قرأت ان تحركهما نابع من الارادة المشتركة بعدم ترك الامور تفلت من زمامها خصوصا وان الاجواء محتقنة، وجاء التحرك بشكل عادي لمعرفة اللجنة بالجو الذي تعيشه تلك المنطقة بعد كل حادثة وخصوصا كحادثة ضهر العين، وقالت هذه المصادر: ان المسألة لا تحل بكبسة زر وهناك امور متراكمة كانت اللجنة تعمل عليها منذ زمن ولكن حادثة كهذه تعيد الامور الى الوراء وهذا ما لا نريده، وهل حققت اختراقا ما؟
تجيب هذه المصادر: في الحقيقة ان ما نسعى اليه في هذه المرحلة هو ازالة جو التشنج الكبير جراء الجريمة اما مسألة التقدم فهي لا تتحقق بين ليلة وضحاها بالرغم من التجاوب موجود، ولكن ليس باستطاعتنا القول اننا حققنا خرقاً معيناً في الجدار المسدود بين الجانبين، لأن ما يلزم هو عمل كبير وجهد متواصل لان الامور ليست سهلة وهذا ما نعترف به، ولكن هذا لا يعني ان نقف مكتوفي الايدي ازاء ما يحصل، أما مسألة تحركنا بين بنشعي ومعراب فهي طبيعية لانهما المعنيان بالامر اي الوزير فرنجية والدكتور جعجع ولم نقل يوما بأن المشكل سياسي وخلفياته سياسية بل على العكس اننا نسعى لحصر الامور في اطارها الخاص ونعمل على معالجة الارضية المتوترة لازالته وبعدها لكل حادث حديث.
مهما يكن من امر وكي لا تذكر كتب التاريخ الطائفة المارونية وتاريخها العريق الكنسي والوطني طوال قرون، كي لا تذكر كباقي «إللي راحوا» من الطوائف في هذا الشرق، وبقيت بقاياهم في العراق وفلسطين، وعندما يتعلم تلامذة الموارنة لا سمح الله في الخارج تاريخ اجدادهم بأنهم اقدموا على الانتحار الجماعي، المطلوب كما يقول المطران رولان ابو جودة شيئ واحد : الوعي وتحكيم الضمائر كي لا نستيقظ على لا شيء.