في مطارات الشرق والغرب، كميات من حقائب الذين تركوا البلد ولم يلتفتوا الى الوراء.
ذهبوا من دون ان يلقوا نظرة أخيرة على جثة وطن مؤهَل ليتوارى في نسيانهم. حطوا الرحال في أوطانهم الجديدة، البديلة، حيث يظنون انهم سيعوضون على ذواتهم ما لم يستطيعوا ان يحققوه في أرضهم، أو ما لم يخوَلوهم ان يحققوه.
امام هذه الحقيقة المرَة، حقيقة أفراغ الوطن من أبنائه، وخصوصا من الطاقات الشابة والمثقفة، من السواعد المنتجة والعقول التي تنضح رؤى، أين يقف الذين يدَعون حماية الثروة الوطنية، البترول الحي؟ هل يعتبرون الذين هاجروا خسارة تنعكس سلبا على حاضر الوطن ومستقبله؟ هل يرون في رحيلهم شدَا للوطن الى هاوية الأفلاس على المستويات جميعها؟
ان الهجرة آفة تنتشر كالفيروسات وتؤدي الى قلوب منكسرة، والى انحجاب بسمات الأمهات وكسوف أمل الوطن. وهي تسكن قلوب اللبنانيين وعقولهم، بعد أن عشَش العنكبوت في وعود الدولة. فلم يعد هناك من حوافز ترجئ اتخاذ القرار بالرحيل. والأكثر خطرا هو ان اللبناني بدأ يلقَن أولاده ثقافة الهجرة.
هل تعلمون ان اللبناني اليائس يفضَل ان يتسول في شوارع الأشفاق والأسترحام، وربما في أحياء النفور والسخط، على ان يبقى اسيرا للقرف والآفاق المسدودة. كيف لا، وهو لا يواجه في وطنه الا قلوبا صخرية وخطابات خشبية وضمائر طلَقتها الضمائر.
امام هذا الواقع المرير، المجتمع قادم على الأنهيار، والمرض يتفاقم ولا علاج. مسكينة بلادي، يعربد فيها المتسلط، يرتبط بها اصطناعيا طالما درَت عليه الأرباح، وينكرها عندما تطالب بحق. ألا يعي ان الهجرة مظهر من مظاهر الأنحلال في العلاقة التي يجب ان تكون موطَدة بين المواطن والوطن؟ ألا يعرف ان أكثر المواسم ازدهارا في لبنان هو موسم الوداع؟
ان الهدف من التركيز على مشكلة الهجرة، هو محاولة ادخال هذا الموضوع الملحَ، وبطريقة ممنهجة وواعية، في اطار العناصر التي يجب ان يهتم بها التضامن الوطني، خصوصا ان المسائل الساخنة تفرض نفسها على طاولة المتحاورين، وتنتظر حلولا. أوليست مشكلة الهجرة قضية مركزية ومفصلية في اولويات الأهتمام؟ يقولون ان اللبناني سندباد الآفاق، يجول في كل الأمكنة، يزرع شيئا منه ومن وطنه حيثما حلَ، حتى قيل: ليس من بقعة في أرض الناس الا وفيها دمغة من لبنان. ولكن، هل يمكن لهذا السندباد ان يخفي الحقيقة المرَة التي يتخبَط فيها الوطن؟