القلّة القليلة من اللبنانيين الذين صدّقوا يوما ان حكومة الوفاق الوطني اصبحت حقيقة قائمة، انتقلوا بعد اشهر معدودة على قيام هذه الحكومة الى خانة الاكثرية الساحقة التي اعتبرت منذ البداية، ان المعارضة على مختلف اطيافها، كان لها هدف واحد وحيد، هو الدخول الى الحكم لتفرض اهدافها المكشوفة والمستورة على الناس، واذا فشلت، فلتفجير الحكومة والحكم من الداخل، عن طريق سلاحين، الاول ثلثها الحكومي المفجر، لانه مربوط بصاعق التعطيل، والثاني سلاحها الذي تمتلكه، والشارع الذي تحركه في اي وقت، وكل ما يدور حاليا في داخل الحكومة وخارجها، من عرقلة لمشاريع الخصخصة العاقلة، وطرح لمشاريع بديلة تحمل، بدل المضمون المفيد، شعارات ليس الا، هدفها التعمية واستثارة غضب الشارع، ناهيك عن فتح ملفات سابقة، كمثل الموازنات العامة، والاتفاقات الخارجية والهبات المالية، لا يقصدون من اثارتها سوى ابتزاز رئيس الحكومة سعد الحريري اولا ودفعه الى الدخول في محاصصات على غرار ما كان يحدث سابقا، وثانيا تشويه سمعة الحكومات التي رئسها فؤاد السنيورة ووسمها بالفساد والمحسوبية وعدم الشرعية في محاولة لادانة خمس سنوات كاملة من عمر انتفاضة 14 اذار، وثالثا، وهو الاهم، الضغط على رئيس الحكومة، ليقترب اكثر من قوى 8 اذار، والمحور الايراني – السوري، مبتعدا عن حلفائه في 14 اذار وعن جمهوره العريض، وفي طليعة هؤلاء الدكتور سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الذي يتعرض منذ الانتخابات النيابية الاخيرة الى هجوم مركز يشارك فيه جميع من شاركوا في تظاهرة 8 اذار 2005، ومن انضموا اليهم لاحقا وتقدموا عليهم.
يمكن القول ان محاولات الفصل بين الحريري وحلفائه سقطت بكاملها، بمثل ما سقطت محاولات جر حزب القوات اللبنانية الى لعبة المواجهة بالسلاح والقتل، لتمتلك المعارضة التي غشت اللبنانيين بأنها لا تسعى الا الى الشراكة والتوافق وطي صفحة الماضي، العذر الذي قد يقبل به اللبنانيون بأن القوات لا تعيش الا على الصدام والعداء والمؤسف ان التيار الوطني الحر كان في طليعة من حاول مراراً وتكراراً وعلى لسان قياداته تسويق هذا المنطلق.
بعد فشل هذه المحاولات جميعها، وبعد تنامي حضور القواتيين على مساحة الوطن كله، وهذا واقع اشارت اليه تحليلات ومعلومات نشرت في صحف المعارضة، لم يعد امام قوى 8 اذار سوى الدفع باتجاه فرط هذه الحكومة او اسقاطها، عن طريق اتهامها بالعجز واهمال مطالب الناس، وزيادة الدين، وعدم الوضوح في المواقف، والرضوخ لارادة واشنطن والعواصم الاوروبية وعقد اتفاقات تمس السيادة وليست في مصلحة لبنان، بحيث يجد نفسه رئيس الحكومة سعد الحريري محاطاً بأوركسترا تعزف نشازا في الليل والنهار، فيسارع قرفاً الى الاستقالة، وبذلك يتم التخلص ليس من وزيري القوات وحسب، بل من وزراء اخرين غير مطواعين، وقد تكون فرصة سانحة للتخلص حتى من سعد الحريري اذا استطاعت قوى 8 اذار بمساعدة حلفائها الاقليميين من اقناع النائب وليد جنبلاط، بالتعاون مع سني آخر مقبول منه، يحل محل سعد الحريري، ليكتمل عندها الانقلاب على كل ما انجبته الفترة القليلة السابقة، ومحوها تماما وكأنها لم تكن وكأن الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الحرية والاستقلال والسيادة ماتوا ميتة طبيعية او بسبب حوادث عرضية او مرضية.
هذا الكلام ليس سيناريو، وليس حبكة روائية، انه كلام يقال علنا وبين الكواليس، واكثر من متطوع سياسي او اعلامي، يعلن على الهواء وصفحات الجرائد والمجلات، ان 14 اذار انتهت وان بقاياها في طريق التصفية الى درجة ان احد الاصوات دعا الذين يرفضون استمرار الامر الواقع على ما هو عليه الان، ليس الى الاستقالة من الحكومة وحسب، بل الى الاستقالة من مجلس النواب ومغادرة لبنان الى دولة اخرى، معتبراً بلسانه او بلسان من يحرّضه ان لبنان هو ملكه او ملك ابيه وجده.
بكل تأكيد ان هؤلاء يحاربون طواحين الهواء، لان رئيس الحكومة سعد الحريري غير مسموح له ان يقرف وينسحب لانه قيادي اساسي، على رأس تجمع شعبي وسياسي يتجاوز حجمه نصف عدد الشعب اللبناني، ولان حلفاءه من المسيحيين شوكة يصعب ابتلاعها، ولان فوق هذا وذاك هناك رئيس للدولة ساهر بيقظة وحزم ومحبة على جميع ابناء هذا الوطن، ولن يسمح لاحد ان يمزق وحدة الوطن والشعب التي اقسم على حمايتها، وهذا الرئيس العماد ميشال سليمان الذي وصفه الدكتور سمير جعجع، على الرغم من كل ما قيل عن خلافهما، انه الانسان الاكثر شفافية وصدقاً واخلاصاً، سيبقى الحارس الامين على الدستور والقوانين وان خلاص لبنان سيكون على يديه وعلى المخلصين مثله، ممن يعملون على قيام الدولة وتعزيزها وحمايتها.