خلال 410 سنوات من عمر الامبرطورية العثمانية لم تعرف شعوب المنطقة سبيلا للخروج من ظل الباب العالي فكان عليها ان تنتظر نهاية الحرب العالمية الاولى لتنقذها القوى الغربية، انكليزية كانت ام فرنسية، لتقع تحت احتلال جديد. منذ ذلك الحين لم يكن في وسع الامة العربية استخلاص نماذج فعالة لاستعادة الحرية، فراحت ترزح تحت احتلال تلو احتلال ووصاية تلو وصاية، ولا تعرف سبيلا للحرية.
هذه الحرية، التي رفع علمها اسطول السفن المتجه الى غزة، بقيت مبحثا لا يدرك لأن "الفرق" التي اخذت على عاتقها تحقيق هذا الهدف الكبير ما احسنت اختيار السبل المؤدية الى الهدف المنشود.
بالحجارة تمكن الشعب الفلسطيني من تحريك العالم في الانتفاضة الاولى، التي اكتسبت رمزية وافرزت نتائج ومكتسبات لم تنتجها حروب كثيرة خيضت ضد اسرائيل. بالزيت المغلي والاساليب البدائية تمكن الجنوبيون في لبنان من فرض معادلات صعبة على قوات الاحتلال، لأن "الزبت المغلي" لم يكن سببا كافيا لتقلع مقاتلات الـ "اف 16" فتقصف القرى وتدمر المدن وتقطع اوصال البلد. بالمعاول ومعدات الفلاحة حارب ابناء الشريط الحدودي ونجحوا في فرض شروطهم ليتمكنوا من دخول حقولهم.
اسطول الحرية الذي يرى فيه "الاتراك الجدد" عملا جبارا، لم يكن اختراعا إنما استنباط جديد لشكل من اشكال المقاومة السلمية، التي اتخذت اشكالا مختلفة واثبتت في كل المراحل انها انجع من كل خيارات اصحاب "المغامرات الهدامة"، التي لم تجر على لبنان وغزة سوى الويلات والحروب "المطرّزة" بدماء آلاف الشهداء.
إن صورة الطفل يقذف الدبابة بالحجر هزت العالم، بينما لم تنجح صورة المقاتل يطلق صاروخ الكاتيوشا إلا في إفراز الخراب، لأن القوة الاسرائيلية العسكرية لا تواجه بمخلفات التاريخ القتالي السوفياتي، او بسلاح استعمل في الحرب العالمية الثانية وتوقف انتاجه إلا في ايران وسوريا.
اليوم تركيا في الصدارة وبعضهم يهتف باسمها متناسيا ان تركيا اردوغان هي نفسها من سلالة كمال اتاتورك العلمانية، التي تتعارض مع مبادئهم المتطرفة، وهي في نفس الوقت على المستوى الشعبي تركيا الاسلام المعتدل التي لا تختلف في الخطاب عن السعودية او مصر. كما انها ايضا تركيا التي احتفظت رغم كل الاصوات المرتفعة بالمعاهدات الثنائية مع اسرائيل وحافظت على مصالح الشركات الاسرائيلية الموجودة على اراضيها، ولم تقم حتى بطرد السفير الاسرائيلي، كما يطلب من غيرها ان يفعل.
استهداف اسطول الحرية وما انتجه كل ذلك من ضجيج وصخب يهدف في الواقع الى رفع صوت الاعتدال في المنطقة، لأن الغرب لاحظ طغيان الصوت المتطرف الصادر من ايران وملحقاتها ومن تنظيم القاعدة ومندرجاته على الخطاب الشرق اوسطي. إنه ببساطة صوت المقاومة السلمية في وجه الاصابع المرفوعة وصرخات "التلبية" كما في وجه الحديث المتكرر عن الرغبة في محو اسرائيل من الوجود، إنها الطريقة التركية في الارشاد الى ان بوابة السلام تمر اولا بالاسلوب الذي يجبر اسرائيل على تقديم التنازلات وليس عبر معادلات البحر بالبحر، التي لا تنتج الا جنونا اسرائيليا.
السؤال المحوري اليوم، اذا سوت تركيا وضعها مع اسرائيل وطرحت معادلة لسلام شامل في المنطقة فماذا سيفعل كل الذين يهتفون لبيك يا اردوغان؟ هل يسيرون في ركاب رجب طيب؟ ام ينقلبون عليه فيخونوه وينزلونه من مرتبة الاولياء والصالحين الى مراتب العملاء؟ اسئلة برسم اصحاب الاستراتيجيات الكبرى والمعادلات الفردية.