الجمهورية الأفتراضية
مارون ناصيف
اتكلم عن جمهورية افتراضية وضعت اسسها العام 1943، بطبل لا بعده طبل وزَمر في يد زُمر لا زالت تتحكم بالعباد والرقاب حتى اليوم.
اتكلم عن جمهورية فاضلة كجمهورية افلاطون، او هكذا تخيّل بعض الأفاضل، لدرجة انهم فضّلوا كل الجمهوريات على جمهوريتهم.
اتكلم عن جمهورية تحصّن ابناءها من كل ما هو مقيت، واذ بها تمقت كل من حاول تحصينها من هؤلاء الأبناء الأذلاء.
اتكلم عن جمهورية تؤمن بمبدأ الثواب والعقاب، واذ بها عارية من دون ثياب.
اتكلم عن جمهورية لها رأس واحد يديرها، فأذا بها افعوان اسطوري متعدد الرؤوس، لدرجة يستعصي فيها تحديد هذا الرأس.
اتكلم عن جمهورية محصّنة الحدود، واذ بها مجموعة من الجمهوريات، محددة سلفا، ومفصلة على مقاسات مختلفة، حددوها سائبة او محمية بسلاح اُنزل من فوق.
اتكلم عن جمهورية فيها العدالة والقضاء، واذ بعدالتها قصاص، وقضاؤها قضاء على كل عدالة.
اتكلم عن جمهورية نحلم بها ونحكي عنها للأولاد والأحفاد، واذا بها تضحي بهؤلاء الأولاد وتقطع الطريق على الأحفاد، لدفعهم الى كابوسها وليالي قهرها.
اتكلم عن جمهورية اردناها ام الجمهوريات، واذ بها تخطف منا الأمهات والأباء، وتجعل منهم وقودا لنرجيلة اسموها الوطن.
اتكلم عن جمهورية يسأل مسؤولها عن مسؤلياتهم، واذ بمسؤوليات تبحث عن مسؤوليها.
هكذا حلمنا وهكذا تعلمنا وهكذا حاولنا، ولم نتعظ بأن ما بُني على باطل فهو باطل، وان النفاق لا يصنع وفاق، وان التبعية لا تصنع الا اتباع، وان السفاهة لا تصنع نباهة، وكل يوم نحاول العودة الى اصول الجمهوريات واسس الأوطان ومبدأ العيش المشترك، ولكن وبكل اسف، هنالك اناس لا يزالوا يعيشون في قرونهم السوداء، واحلامهم الغبراء، وسياساتهم الدكناء.
هنالك اناس على استعداد للتخلي عن كل شيء حتى الكرامة من اجل موقع او كرسي، وهنالك اناس استطيبوا طعم الدم وادمنوا رائحة الحرائق، لا لشيء، بل لأنهم ما شعروا يوما، بأنهم اولاد هذه الجمهورية!
صديقي افلاطون
اني اعتذر منك اشد الأعتذار، لأننا نحن، من وضع اسس الجمهوريات الفاسدة، في وجه جمهوريتك الفاضلة. وقد تكون جمهوريتك، بالرغم من طوباويتها، غير موجودة. ولكن جمهوريتنا الأفتراضية موجودة حقا، وليست من نسج الخيال، وما عليك، الا قراءة تاريخ لبنان، لتعرف كم نحن تعساء في هذه الجمهورية الأفتراضية، التي تأكل اولادها وتطعن صدور حماتها، لا لشيء… بل لأنها افتراضية!