معادلة الثالوث الاخبث
عبدو شامي
عاد امين عام "حزب ولاية الفقيه" الى لغة التخوين التي باتت في السنوات الخمس الماضية من ادبيات حزبه الاساسية، فلا يكاد يخلو منها تصريح او خطاب، وان كانت خفّت وتيرتها بعد اتفاق الغالب والمغلوب الذي عقد في الدوحة عام 2008 تحت سطوة السلاح.
ففي خطابه الاخير الذي القاه بمناسبة ما يسمّى "عيد المقاومة والتحرير"، اطلق امين عام الحزب "الالهي" سلسلة مواقف وادعاءات انطوت على جملة من المغالطات، واللافت انها طرحت على انها من المسلّمات التي لا خلاف عليها ولا نقاش فيها، ما يؤكّد سيادة شريعة الغاب على العمل السياسي في لبنان، حيث امسى منطق الاقوى عسكريا هو المسموع والمطبق والمهيمِن، وان كان خاطئا وباطلا ويسير بالبلاد نحو الهاوية.
ان ما يهمنا الرد عليه من جملة المغالطات التي حواها ذلك الخطاب، مقولة: "كل من يفرّط بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة يريد عن قصد وليس عن غير قصد ان يجعل لبنان مكشوفاً امام العدوان الاسرائيلي…"! ولعل نبرة التخوين الواضحة في هذا الكلام تؤكّد ضعف المنطق الذي يتحدّث به وعنه "حزب ولاية الفقيه"، ذلك ان سلاح التخوين الصدئ غالبا ما يلجأ اليه من اصيب بالافلاس السياسي وفقد صوابه، فاستعاض عن لغة المنطق والاقناع بلغة العمالة والتخوين، في محاولة يائسة للقنص السياسي على اصحاب المنطق السيادي والاستقلالي القويم، بأساليب مكشوفة ومفردات بالية اكل عليها الدهر وشرب.
فمعادلة "الجيش والشعب والمقاومة" انما فُرضت على الدولة بقوة السلاح، سواء في البيان الوزاري لحكومة "الدوحة الاولى" عام 2008، او في بيان حكومة "الدوحة الثانية" عام 2009، وما انتزع بالاكراه حكمه البطلان.
ثم ان معادلة الحزب الشهيرة مفرّغة من مضمونها العملي، اذ من بين العناصر الثلاثة التي ترتكز عليها، ثمة عنصر واحد فعال يقابله عنصران غارقان في دائرة التغييب والتعطيل والالغاء.
1- فالجيش والقوى الامنية ممنوع عليهما التسلّح والانتشار على كافة الاراضي اللبنانية بالقدر الذي ينعم به "المقاومون الابطال"، وقد اثبتت القوى الامنية خلال غزوة ايار الارهابية عجزها عن القيام بأبسط مهامها في حفظ الامن على الاراضي اللبنانية، وظهر منها بعض الانحياز لقوى الامر الواقع الغازية، ولم تستطع حتى اليوم محو تلك الصورة القاتمة، لا سيما مع تكرار حوادث امنية ممثالة شابها تقصير امني واضح.
2- اما الشعب اللبناني فمغلوب على امره، ورأيه مصادر ومعطّل من قِبَل القوى المسلّحة. فأكثرية الشعب اللبناني التي قالت بأعلى صوتها في انتخابات 2009 التي ارادتها قوى 8 آذار استفتاء على سلاحها او ما تطلق علية تسمية "المقاومة": "لا للسلاح الميليشيوي الخارج على الشرعية اللبنانية، ونعم لحصرية السلاح بيد الدولة"، هذه الاكثرية ألغِي رأيها ونسف قرارها اثناء تشكيل حكومة "الدوحة الثانية" وفي صياغة بيانها الوزاري، فشُرّع السلاح الميليشيوي وانتزع الثلث المعطل مجددا من خلال التهديد بـ7 ايار جديد. اما اقلية الشعب اللبناني فرأيها مصادر بالتكليف الشرعي والمال الطاهر والارهاب الفكري.
3- يبقى العنصر الوحيد الفعّال في تلك المعادلة – المغالطة، الا وهو ما يعرف بـ"المقاومة". فـ"المقاومة" على النحو الذي تقوم عليه اليوم، اي باحتكارها من قبل فئة طائفية ومذهبية من اللبنانين، لها ارتباطاتها العقائدية والعضوية بدولة اجنبية لها اجندتها الخاصة التي تتعارض وتوجهات الدولة اللبنانية … هذه "المقاومة" تتعارض واتفاق الطائف الذي انهى الحرب اللبنانية، خصوصا لناحية المادة 65 من الدستور التي تنص على حصر قرار الحرب والسلم في مجلس الوزراء. اضف ان اتفاق الطائف لا يتضمّن أي إشارة ولو تلميحا الى كلمة "المقاومة"، لا بل إن بنود وفقرات وثيقة الوفاق الوطني، خصوصاً البنود الاول والثاني والثالث تؤكّد ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية من دون أي استثناء.
بناء على ما تقدّم، يتضح لنا ان مَن يفرّط بتلك المعادلة اذا سلّمنا بصحتها ويكشف لبنان امام العدوان الاسرائيلي، هو الحزب نفسه، سواء لناحية رفضه تسليم سلاحه للشرعية اللبنانية عملا باتفاق الطائف وتقوية للجيش الوطني، او لناحية تعطيله قرار غالبية الشعب ومصادرته قرار القسم الباقي منه، ومعاملته معارضيه بخطاب التخوين والعمالة، واستكباره على الدولة واستخفافه بدستورها وتخطيه مؤسساتها، وعرقلته قيام الدولة القوية والقادرة والعادلة. وان الحزب بتمدده العسكري على كامل الاراضي اللبنانية، يدرك جيدا انه في حال اندلاع "حرب" جديدة، سيكون الشعب والجيش هما أكثر من سيدفع الثمن، وإن حربا ساحقة ماحقة كهذه تدمر فيها الدولة بكافة مقوماتها لن تعود بالفائدة إلا على طرف واحد، انه الطرف الثالث في "المثلث الاخبث" الذي ابتدعوه في البيان الوزاري.