#adsense

بين الهجرة والاقتلاع

حجم الخط

عندما يتحدّث البابا بينيديكتوس السادس عشر عن "المكان الذي أعلن فيه الله عن نفسه لآبائنا في الايمان"، إنما يكون يتوجّه الى المشرقيين عموما، والى المسيحيين خصوصا، والى النموذج اللبناني تحديداً، وبكل تعدديته وطوائفه.

ومنه، ومن صيغته الفذة التي تمثّل "أعجوبة" التعايش الكامل والعميق الجذور بين ثماني عشرة طائفة، لا تشعر ولا واحدة منها بغربة او تهميش او اهمال مهما كانت متناهية في الصغر…

من هذه الصيغة البهية، ومن هذا المثال النادر، ينطلق البابا في ندائه المشرقي، واليه يستند عندما يتحدّث عن فرادة هذه الرقعة النادرة من الارض، وهذه الارض النادرة في تنوعها وتعدد ثقافة المنتشرين في ارجائها.

وطبعا، منه بالذات ومن اهميته، يخاطب المجتمعات الاسلامية على اختلافها واختلاف بلدانها، واختلاف حجم المسيحيين ودورهم في كل منها، ليلفتهم الى جدارة المشرقية بعنوانها الايماني، وباحتوائها لمختلف الطوائف والانماط من المؤمنين، وتفاعلها القديم والعريق في كتابة تاريخ هذه المنطقة المشرقية التي بدأ القنوط يحتل بعض قلبها وبعض وجهها وبعض جوهرها.

المسيحيون هم في جوهر المشرقية، وفي صميم فرادتها وتميزها، وفي عنوانها البهي يوم كانت مسيحية الغرب تتطلع بحيرة ودهشة عندما تمثل الصورة المشرقية وتحضر.

"ولأن اختفاء المسيحيين من هذه البقعة يشكل ضربة قاسية للمنطقة ولحوار الثقافات، كاد البابا ان يصرخ بمسيحيي لبنان، ويحثهم على النهوض من هذه الغفلة المزمنة، ومن الهجرة الى العدم والانتباه الى انهم يتخلون بهجرتهم المتواصلة عن واجبهم ومبرر وجودهم، وعن وصية الرب حيث وُلد ابنه، وأقام لهم في مشرقهم مكاناً مقدساً ليحرسوه بقلوبهم وعقولهم ووجودهم.

وليتنبهوا الى ان المشرق هو عنوان لهذا التلوّن والتعدّد الحضاريين، والى انهم يرتكبون خطيئة كبرى بحق المشرق وحق أنفسهم وحق المسيحية وحق الرسالة الالهية التي نيطت بهم حراستها.

فكيف، اذاً، تهجرونها؟
فكيف، اذاً، تغفلون عن اهم الثروات والكنوز، لتهاجروا بحثا عن ربح او منفعة بخسة لا تساوي حبة تراب مشرقية؟
في كلام بينيديكتوس السادس عشر ما يشبه التأنيب لمن يستهترون بوجودهم، وبالامانة المعلقة في اعناقهم اباً عن جد، ولهذه الهجرة الجماعية، ولهذه اللامبالاة بالرسالة والواجبات والمسؤولية الكبرى.

كاد ان يقول لهم بين سطوره وكلماته ان المسيحية ليست مجرد بطاقة هوية، او بطاقة سفر، او بطاقة اعاشة. انها كلمة الله في الارض. انها محبة الارض. انها القضية العظيمة التي كان من المنتظر والمتوقع منهم ان يكونوا القيّمين والحرصاء عليها.

مجمل الرسالة، مجمل الوثيقة الفاتيكانية، يشكل تحفيزا وحضّاً للمسيحيين على التجذر في الارض، وعلى اجتراح فعل شركة عجائبية خلاقة مبدعة مع شركائهم المسلمين، في الارض والوطن والايمان بالله الواحد.

واذا كان من وصية يمكن ان يتركها البابا وديعة للمسيحيين المشرقيين، فهي ستوجّه اليه عبر مسيحيي لبنان ليوقفوا الهجرة الى العدم. وليعودوا الى رشدهم، والى ديارهم، والى مجتمعاتهم، وليفتحوا قلوبهم بيوتا وولائم لهذه المسيحية التي لولا مشرقيتهم لما كانت.
استيقظوا الآن، لئلا تستيقظوا بعد غفلة، حيث يكون الأوان قد فات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل