ما الذي يجمع بين رواية الـ11 مليار دولار وضجيج "الهبة الأمنية الأميركية"؟ الجواب: ليس في أن إثارة الموضوعين تأتي من جهة ما يسمى قوى 8 آذار أو 7 أيار، وليس في أن المستهدف هو الرئيس فؤاد السنيورة والتشكيك في دور حكومته، وكذلك الرئيس سعد الحريري، ولا أن الراوي في الأولى والمهموم بالثانية هو رئيس مجلس النواب نبيه بري.
الجواب الفعلي هو أن ما يجمع بين الأمرين هي الخفة السياسية التي يعتمدها مفتعلو الضجيج، والتي يحتار العامة في تسميتها بين "جعدنة" و"لتلتة" و"لقلقة".
فالكلمات الثلاث لها معنى مشترك: كل صوت فيه حركة واضطراب أو الكلام اللاطائل تحته، حسبما يقول المنجد. أما العامة فتقصد بها أن من تعنيه يريد إشغال الناس بقشور الأمور، وافتعال الضجيج لتضخيمها، ولو ادعى الحرص والمسؤولية.
في الثلاث، تتأتى الخفة من اللجوء إلى اعتماد "الزجل" عبر الاعلام، بدل الالتزام بالمعابر الدستورية والقانونية لطرح الموضوعين وغيرهما. فمن الافتعال الجلي أن يُطلق رقم 11 مليار دولار من على عتبة قصر بعبدا. ومنه أيضاً أن يضع رئيس لجنة الاتصالات النيابية اليد على موضوع الهبة الأميركية لوزارة الداخلية بدل اللجنة النيابية المختصة بهذا الشأن.
الملاحظ أن الضجيج في الملفين تسلسل من كتابات صحافية منحازة إلى تصريحات نيابية إتهامية، قبل أن يطلع الجمهور، جزئياً ـ على لب الأمرين. ذلك لا يوحي بأن مدعي تأييد الدولة والعمل لها، وأصحاب شعار ابنوا دولتكم لننظر في انضمامنا إليها، يريدون فعلاً أن تقوم هذه الدولة، وإلا لكان نواب منهم تقدموا بسؤال إلى الحكومة عن الـ11 مليار دولار، ولكان تقرير رئيس لجنة الاتصالات إلى رئيس المجلس مر على أعضاء اللجنة ليناقشوه ويوحدوا الرأي في الهبة، إن اقررنا بأن الأمر من اختصاصهم.
في الحال القائمة، يقع تحريك الأمرين في باب استئناف الصراع الداخلي، لكأن اتفاق الدوحة لم يكن. ليس من زاوية السكوت عن الأخطاء إن وجدت، وهو مرفوض، بل من باب تظلل المؤسسات عند الخلاف أو الاختلاف. ولا يخرج عن ذلك التعامل الفوقي لرئيس لجنة الاتصالات الذي قدم تقريره إلى رئيس المجلس من خلف ظهر اللجنة التي يرأس متوهماً أنه الآمر الناهي. حتى أن زعمه أن تقريره يحوي آراء كل أطرافها لم يخدمه، لأنه بذلك يتهم ضمناً رئيس المجلس بالانحياز إلى رأيه، من دون أن ننسى التساؤل، عندها، عن مدى دستورية تبني الأخير توصية لم يبحثها مجلس النواب، ولم يطلع عليها حتى أعضاء اللجنة التي ناقشت موضوعها. فتقارير اللجان النيابية ليست مسؤولية رؤسائها وليس من حقهم التفرد بإصدارها. فكيف إذا كان الموضوع لا يدخل في اختصاصها أصلاً، ولم يبتّه أعضاؤها؟
في شأن الهبة الأميركية ينطوي الضجيج حولها على تشكيك بوطنية موقعي اتفاقها، استئنافاً لتشكيك مرضي قديم، جعل من استقبال كوندوليزا رايس خيانة، وأضفى قمة الوطنية على استقبال أمير قطر فوق ركام الضاحية، فيما كانت قاعدة السيلية توفر القذائف والصواريخ للطائرات الاسرائيلية. ولم "تلاحظ" هذه "الوطنية" اتصال رئيس الوزراء القطري يومذاك ومن بيروت، بوزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني.
لا يهدف التذكير إلى محاسبة قطر على علاقاتها باسرائيل، فهي لا تخفي ذلك من جهة، وليس المجال هنا لإدانتها أو تأييدها من جهة أخرى، لكن ازدواجية الحس الوطني فجّة إلى درجة تفقأ العين. لذا، يبدو احتكار رئيس لجنة الاتصالات موضوع الهبة، وتفرّده بإصدار ما سمّاه تقريراً، محاولة تمديد للضجيج وليس سعياً إلى بتّ الأمور في مسالكها الدستورية. كما يبدو أن الضجيج نفسه هو هدف إثارة الـ11 ملياراً. فلو كان المطلوب الطحن وليس الجعجعة، لكان الموضوع أثير في مجلس النواب، ولكان ظهر مدى أهمية الاستقرار الداخلي، من زاويته السياسية، في هموم السياسيين المهتمين بديون لبنان.
لكن نقل الأمر إلى المجلس يعني أن هناك من سينعش ذاكرة من يتناسى أن الانفاق من حق الحكومة في الظروف القاهرة وتحديداً في حرب تموز وما فرضه الانتصار من تعويضات، إلى جانب أجور ورواتب القطاع العام، وتمويل الكهرباء، والمفعول الرجعي لسلسلة الرتب والرواتب. كل ذلك في ظل إقفال مجلس النواب،الذي عطل الموازنات كما عطل اصلاحات "باريس 3"، إلا إذا كان المطلوب أن تتصرف الحكومة عكس ذلك، أي إعلان عدم استمرارية الدولة.
أدى اتفاق الطائف إلى تسليم الميليشيات، أو معظمها، سلاحها. لكن لا يبدو أنها اسقطت أساليب تفكيرها.
أول الدرب إلى الدولة الإيمان بأن مسالكها الدستورية هي المؤدية إلى جلاء الغموض بين سلطاتها، وليس حبل غسيل الاعلام، وإثارة غبار الاختلاف لفرض مقايضات، صورتها محلية وعمقها غير ذلك.