عندما اطلق الرئيس نبيه بري تساؤله عن مصير الـ 11 مليار دولار، كان لا بد من متابعة ذلك بالاتجاه الاتهامي الذي يعني جهة سياسية معينة، حتى وان كان يعرف مسبقا ان حجم الرقم المالي المشار اليه يعني ابعد من القول ان فئة معينة مسؤولة عنه!
المهم بالنسبة الى ما طلع به الرئيس بري قد تقلص بمعدل قياسي، حيث قال في آخر كلام له ان مسؤولية الوضع المالي تقع على عاتق الجميع. وهو لو قال ما قاله بالتزامن مع تساؤله عن الـ 11 مليار دولار، لما كان سمع اجوبة مستغربة، خصوصا من جانب الرئيس فؤاد السنيورة والوزير السابق جهاد ازعور المعنيين بمعظم الارقام المالية التي انتقدها الرئيس بري في معرض شرح مآخذه بالنسبة الى المبلغ الذي صرف من خارج القاعدة الاثني عشرية!
المهم في الموضوع ان سرعة رئيس مجلس النواب في توجيه الاتهام جاءت بمستوى تراجعه، سبل بمستوى تصحيح التساؤل، اثر تلقف بعض من يهمه امر الاتهام من جماعات "لا في العير ولا في النفير" كرة النار المالية لغايات سياسية امنية خصوصا ان المناقشة الواجبة قد انتفت علميا ورقميا بعد الذي صدر عن الرئيس فؤاد السنيورة ومن ثم الوزير ازعور، وهذا بدوره كشف هزال الاتهام وعدم اتكال من اطلقه على ما يسمح بوضع الامور المالية في اطارها الصحيح!
والسؤال الذي طرحه ازعور في معرض رده التوضيحي مفاده: من الذي منع مناقشة مشاريع قوانين الموازنات (…) وهل لحكومة الرئيس السنيورة والوزير ازعور علاقة في ذلك؟ الامر الذي يستدعي خوضا مباشرا في الاسباب والملابسات التي حالت دون وضع مصروف الدولة في سياق عدم الرغبة في بحث الامور في الاطار القانوني – الدستوري؟!
والذين وجدوا في اتهام الرئيس بري مدخلا الى مزيد من التساؤل عن مصارفات الدولة في بعض الاوقات، لا بد وانهم يتناسون عن عمد ما حصل في بعض مراحل الحرب الاسرائيلية من ضرورات وموجبات. كذلك، ليس من ينسى كيف كانت الاتهامات تطلق من جانب البعض على خلفية شراء مواد غذائية وطبية لاكثر من مليون نازح جنوبي في صيف العام 2006، حيث ارتفعت الشكوى في بعض الاوقات "لان الادارات المعنية لم تقم بواجب تقديم مآكل ساخنة وصحية، وكأن الموضوع مرتبط بمزاجية بعض السياسيين من الذين انحصر همهم بالظهور بمظهر المدافع عن صحة النازح، فيما لا تعني له شيئا صحة خزينة الدولة!
وما قيل عن مصير بعض المساعدات السعودية عموما والعربية خصوصا، لا بد وان يقال مثله عن المساعدات الانسانية التي ذهبت الى احزاب وتنظيمات تم توزيعها والتصرف بها بمزاجية لا رابط بينها وبين الاهتمام المتوازن بالمصلحة العامة، خصوصا عندما يقال ان الهدر من جانب مؤسسات الدولة لا يقاس بالهدر المقصود والمبرمج من جانب الاحزاب والتنظيمات ذات العلاقة المباشرة بما حصل في عدد من المناطق وتحديدا تلك الواقعة تحت سيطرة لا علاقة للدولة بها؟!
مشكور الرئيس نبيه بري في توضيحه الاخير لجهة تبرئة ذمة الرئيس فؤاد السنيورة وفريقه الوزاري المالي. لكن هل كان من الضروري ان يقال عن مبلغ 11 مليار دولار انه قد صرف بطريقة غير قانونية ليصل التصحيح الكلامي لاحقا الى حد اعتبار الجملة الاتهامية وكأنها لم ترد (…) او كأن الخطأ كان مقصودا بنسبة الخطأ في مقاربة ارقام الموازنة الحالية؟!
اما اولئك الذين يهمهم القول ان اللقاء بين الرئيس بري والرئيس سعد الحريري قد تكفل تصحيح الامور المالية، فهو كلام يحتاج الى اكثر من نية سليمة، بعد الذي علق في اذهان بعض من صالوا وجالوا في المجال المالي الخاطئ لمجرد انهم رأوا مصلحة لهم في الغمز من قناة الاكثرية. وهذا الامر شبيه بالنغمة المتشددة والمتجددة ازاء الاتفاقية الامنية بين لبنان والولايات المتحدة الاميركية، حيث هناك من يهمه ربط الموضوع بملابسات سياسية – اتهامية من النوع الذي تزامن يومها مع اعتبار الاتفاقية هدفا تسعى اميركا من ورائه الى جني ما فيه مصلحتها على حساب المصلحة اللبنانية عموما وعلى حساب حزب الله والمقاومة خصوصا!
وفي اعتقاد مصادر سياسية مطلعة انه بعد التفاهم الذي ساد الاجتماع بين الرئيسين بري والحريري، لا بد من توقع الابتعاد عن الاثارة السياسية السلبية قبل اقرار مشروع موازنة العام 2010 (…)
كذلك لا بد من اعطاء المرحلة الحالية عنوانا مختلفا لا علاقة بما اطلقه رئيس المجلس وغيره من تساؤلات عن مصير مبلغ الــ 11 مليار دولار!
وثمة من يجزم في هذا المجال بان التعليمات قد اعطيت الى معظم وزراء قوى 8 اذار ليكونوا منضبطين وفي كامل تأدبهم عند مقاربة المواضيع المالية المشكوك في ارقامها وقبل الاخذ بوجهة نظر الاكثرية منها؟!