مخاوف البابا بنديكتوس السادس عشر التي أبداها أثناء زيارته القبرصية، ليست بجديدة، إلا أنها حقيقية، وقد باتت اليوم في بعدها الديموغرافي والحضاري مخاوف إسلامية أيضاً، على الأقل في لبنان أولاً، فإذا كان تكرار الحديث عن لبنان – الرسالة يبدو كـأنه "زركشة على رداء العيش المشترك"، إلا أن هذا التكرار هو جوهر هذا الوطن ونقطة ارتكازه ومعنى وجوده.
والمخاوف المسيحية حقيقية لا لبس فيها وهي مخاوف حقة، وهي لم تعد مخاوف تتخذ ذريعة لمكاسب سياسية كما كانت في النصف الأول من القرن الماضي، فالمخاوف اليوم "مشتركة" بين المسيحيين والمسلمين، فإرهاب القاعدة مثلاً يخيف المسلم ويستهدفه بقدر ما يستهدف الآخرين.. وباختصار لكل هذه المخاوف ومن دون المسيحيين في لبنان لن يبقى إسلام معتدل، ومن دون الإسلام "الوسطي" المنطقة برمتها ستقع فريسة "الإرهاب".
فالإسلام لم يأتِ منقطعاً ومجافياً للأديان الأخرى بل جاورها وعاش معها وأحسن جوارها ونظم العلاقة بها، فإذا بالمسلمين عبر حقبات متتالية من الزمن ربما كان أسوأها حقبة الخلافة العثمانية-ينزاحون عن سماحة الإسلام واحترامه للآخر، ويجحفون أحكامهم في حق المسلمين قبل المسيحيين، وتحتاج المنطقة العربية إلى قراءة تاريخية متأنية مشتركة ومتسامحة تعيد قراءة الأخطاء التي ارتكبها أهل الأديان بحق بعضهم البعض، وعلى هذه القراءة أن تكون واعية ومدركة أنها تقرأ النتائج بميزان الحروب والربح والخسارة فيها، فالخاسر تُفرض عليه الشروط والمنتصر هو الذي يُملي شروطه، وهذا من بديهيات نتائج الحروب فمن القرن الماضي نقرأ مثلاً معاهدة فرساي المجحفة بحق ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وانتهاءً بالقرار 1701 الذي قرر مصير الجنوب قبل وقف الأعمال العدائية، والذي جاء في صالح إسرائيل التي ندعي انهزامها، وألزم حزب الله بما فرضته الأمم المتحدة من شروط وإن "ظن" أنه انتصر انتصاراً إلهياً…
الوجود المسيحي في المنطقة العربية يُبقي على هويتها التي تتباهى بأنها "مهد" الرسالات السماوية، والمسيحيون في هذا الشرق موجودون قبل المسلمين، وهم أصحاب فضل وأولية في نهضة الحضارة الإسلامية التي لا ننفك كمسلمين عن التباهي بأننا صدرناها للغرب..
وهذا التاريخ يحفظ لنا دور المسيحيين في النهوض بأعباء هذه الحضارة وعملهم في نقل العلوم بشتى ميادينها إلى العربية، يروي دورهم في العراق، وفي مدارس حران ونصيبين وجنديسابور، وإذا كان هذا في العصرين الأموي والعباسي، فإن النهضتين الأولى والثانية في القرنين الثامن والتاسع عشر، والدفاع عن اللغة العربية في وجه حركات التتريك وفرض اللغة التركية مكان العربية أخذها موارنة لبنان على عاتقهم وكانوا السد المنيع في الحفاظ على اللغة العربية وصفائها ونقائها، وكانوا عتاةً في الدفاع عنها، وفي الوقت الذي تآمرت عليها فيه عنصرية العرق الطوراني عند المسلمين الأتراك، وجدت سندها ومددها وحمايتها عند الموارنة والمسيحيين العرب، واضطلع المفكرون والأدباء المسيحيون بدور متميز في الثقافة العربية الإسلامية وبادروا إلى وضع المعاجم المفصلة للغة العربية، وها هم اليازجية، والبساتنة أسماء مخلدة في المنافحة والدفاع عن لغة القرآن..
للحظة؛ وإذا ما قرر أي مسلم- وخطاب البابا الموجّه الى ضمائر المسلمين وليس الساسة فقط – أن يغمض عينيه ويتخيّل هذه المنطقة من دون أبنائها المسيحيين الذين سبقونا إليها بوجودهم بقرون، هل سيرى سوى اضمحلالاً وناس يضرب بعضهم رقاب بعض باسم الدين، هل سيرى سوى تطرف، وتعنت، وتحميل الناس ما لا طاقة لهم به، ولنسأل بصراحة، هل كان العمران والتقدّم ليزحف في اتجاه الصحراء العربية لولا هذه البقعة المضيئة في الشرق الأوسط..
وبصرف النظر عن كل الاضطراب الذي يعانيه الشرق خصوصاً والمنطقة العربية عموماً، فهو لايزال مطمع كل الطامعين في هذا العالم، ونظرة خاطفة على الذي نسميه عالماً متحضراً، والذي لم يستطع أن يخطو إلى الأمام باتجاه الحضارة إلا بخلع الدين والتخلص منه كوباء يصيب بدن الحضارة، فغرق في ظلمة الروح وبلغ بحضارته حد التوحش، ونظرة على بلد بحجم لبنان، يقع ويقوم، يُدمر وينهض من دماره ليعيد بناء نفسه من جديد، إن كان لهذا البلد من سرّ في قدرته على الحياة، فهو الإيمان، إيمان يتصاعد ممتزجاً بقرع الأجراس وتكبير المآذن، ويتجلى على العالم بأسماء كثيرة "الرسالة"، "العيش المشترك" "المنارة" في ليل مظلم يدهم المنطقة… ومن دون المسيحيين يفقد لبنان معنى وجوده، ومن دون المسيحيين يفقد الشرق هويته الروحانية التي ميزته عن كل بقاع الأرض، وتفقد المنطقة العربية حضارتها التي تشارك بناءها المسيحيون والمسلمون.