#adsense

سينودس الشرق الأوسط فرصة جدية

حجم الخط

يواجه المسيحيون في العالمين العربي والاسلامي تحديات كبيرة، أبرزها وجودية مصيرية، اذ ان عددهم في تناقص مستمر، خصوصاً بعد التهجير الذي أصابهم أخيراً في العراق، فيما العدد الأكبر منهم، وأقباط مصر، لا يجد متسعاً للعب دور حضاري اجتماعي، فكري قبل السياسي، بسبب طبيعة النظام والتركيبة في بلاد النيل.

ويواجه المسيحيون في هذا الشرق أزمة كيانية، تنتج تراجعاً في العدد والدور. فالهجرة آخذة في تآكل جسدهم، والتطرف الاسلامي المتنامي يحجبهم عن النظر، والتدخل الغربي، السافر أحياناً، ينعكس عليهم سلباً، فيصيرون كالجماعات المستوردة الى محيط غريب عنهم.

ربما تساهم اسرائيل في ذلك، لجعلهم – وفق تصورها – على صورتها، مجموعات مضطهدة من الأكثرية المسلمة الطاغية.

يأتي السينودس الخاص بالشرق الأوسط ليشكل فعلاً محطة تاريخية، ليس بالتسمية والتفخيم والتعظيم، السائدة لدى العديد من الآخذين بالمظاهر، بل فرصة لإعادة رسم الدور المميز ضمن الجماعة العربية الكبيرة.

ولا يكفي ان يشدد المتحدثون على أهمية الوجود المسيحي لحفظ هذا الشرق متعدداً ومتنوعاً، ولحفظ كرامة الاسلام المتسامح المنفتح والقابل الآخر، لأن في ذلك شبه استجداء وطلب رحمة وعطف للاستمرار الذليل أحياناً، أو الذي يحول المسيحيين أهل ذمة، ولكن يضمن لهم البقاء، أو يبعد عنهم الرحيل المؤجل.

في السينودس، أو في ورقة العمل التي سلمها البابا بينيديكتوس الـ16 أول من أمس الى بطاركة الشرق، نظرة متقدمة، وشرقية عربية، بل ومسلمة بامتياز، اذ تحدثت بوضوح عن أثر "الاحتلال الاسرائيلي" للأراضي الفلسطينية، وانتقدت "جماعات أصولية" مسيحية غربية "تبرر الظلم السياسي الواقع على الفلسطينيين"، واعتبرت ان الأصولية المتطرفة تصيب المسلمين واليهود، كما المسيحيين، "وعلينا ان نواجهها معاً" وهي أفكار جامعة كل الأطراف والأطياف والطوائف، وتؤكد بما لا يقبل الشك انغماس المسيحيين في هموم شرقهم العربي.

أعادتني العبارات الواردة في ورقة العمل ومضامينها الى صورة المطران ايلاريون كبوجي، العائد قبل أيام من رحلة فك الحصار عن قطاع غزة، هذا الأسقف المناضل بحق لقضايا محقة، والذي تفتح له أبواب السلاطين والأمراء والرؤساء، وتخجل منه الأصوليات الاسلامية التي لم تبلغ حركتها ما بلغه نضال هذا المطران.

انه الصورة الحقيقية لكنيسة هذا الشرق المتألمة والمناضلة، بل والمجاهدة، فإذا كانت كنيسة الشرق على حال أهل المنطقة وفي صلب حركتهم التاريخية ونضالاتهم، فلن تكون غريبة، بل ستعلّم المسلمين، وغيرهم، معنى الجهاد، وهي خبيرة به في تاريخها النضالي الطويل.

صحيح ان الواقع المأسوي يقلص الرؤية والرؤيا، وتحتاج الاثنتان معاً الى وضوح توفره الأوضاع المستقرة، وهي غير متوافرة، ولن تكون كذلك في الأمد المنظور، لا لمسيحيي هذا الشرق، ولكن أيضاً لمسلميه. لذا وجب العمل في ظل الوضع القائم.

والسينودس الآتي، هو هذه الفرصة للتفكير ولإعادة صياغة الدور الفاعل، بل لتوكيده، وإعادة اطلاقه، اذ لطالما كان المسيحيون العرب سباقين ومتقدمين ورياديين على الدوام، وعليهم اليوم ألا يخافوا النظر الى الوراء والتطلع الى المستقبل، والأهم ألا يضيّعوا الفرصة كما فعل اللبنانيون محلياً في السينودس الخاص من أجل لبنان الذي ضاع الكثير من مضمونه في المتاهات والزواريب الضيقة، وتحولت وثيقته النهائية كتاباً للتاريخ.

المصدر:
النهار

خبر عاجل