قطع الحساب" مع حكومات السنيورة يكشف طبيعة تسيير الأمور في هذه المرحلة
الاستقرار المؤمّن بالتشغيل اليدوي والجرعات التذكيرية
هل تستطيع قوى 8 آذار أن "تركّز" على ما تعتبره أولويّة شبه حصريّة في هذه المرحلة، أي أولويّة المواجهة الإقليميّة مع العدوّ الإسرائيليّ؟ إذا كانت هذه فعلاً "الأولويّة المطلقة" فكيف يفسّر بالمقابل ذلك العَود المستمرّ إلى ذهنية "قطع الحساب" مع حكومات الرئيس فؤاد السنيورة السابقة؟
هناك في هذا المجال أحد احتمالين.
فإمّا أن تكون حملات "قطع الحساب" هذه مسائل "ثانويّة" قياساً إلى أولويّة المواجهة الإقليميّة المطلقة مع العدوّ. عندها ينبغي المحاذرة من تضخيم ما هو ثانويّ، إن من حيث المضمون أو من حيث الأسلوب.
وينبغي ثانياً المحاذرة في الوقت نفسه من أن تقسّم 8 آذار عملها بين "سياسة جدّية" تتعلّق بالمواجهة مع العدوّ وبين "ترفيه ومزاح" يتعلّق بـ"قطع الحساب" مع حكومات الرئيس السنيورة. وثالثاً، ينبغي معرفة كيف لا يتحوّل "الترفيه والمزاح" إلى نكد، إلا إذا كان النكد وحده هو السبيل إلى الترفيه والمزاح.. من قبيل الرّد على "ثقافة الحياة"، وهو الشعار المزدهر في مرحلة حكومات السنيورة.
وإمّا أن يكون هناك احتمال ثان. فلا تكون الحملات على حكومات السنيورة مسائل "ثانويّة" وإنّما "تمارين تطبيقية" للمواجهة الإقليميّة المطلقة مع العدوّ، أي امتداد عمليّ لمنطق المواجهة نفسه. بمعنى ما، تستشعر الممانعة بأنّه لا يمكن أن تطوّر خطاب المواجهة المطلقة مع العدوّ الإسرائيليّ إلا على قاعدة إستحضار الداخل، سواء بـ"التخوين" أو بـ"التفسيد". وعند هذا الحدّ تخاطر الممانعة بتفريغ خطاب المواجهة الإقليميّة من مضمونه. التحدّي كان وسيبقى أمام الممانعة أن تطوّر خطاباً ينسجم مع نفسه، أي تنسجم فيه الأولوية المطلقة المنسوبة إلى الصراع مع العدوّ مع حصر الإشتباك المركزيّ مع هذا العدوّ، والفصل بشكل واضح بين هذا الإشتباك المركزيّ وبين خلافات محليّة من نوع مختلف تماماً.
وقوى 8 آذار تعتبر أنّ الأولويّة للمواجهة الإقليمية على المنطق الذي يقول بالمصالح اللبنانية أوّلاً. الأولويّة لحسابات "الجدوى" التي لا يمكن أن تقاس إلا إقليمياً على حسابات "الكلفة" التي لا يمكن أن تقاس إلا لبنانياً.
لكن ذلك يعني عملياً شيئاً آخر: فالأولوية تصير لمواجهة المنطق الذي يقول بالمصالح اللبنانية أوّلاً. هذه هي المفارقة الكبرى التي تهيمن على قوى 8 آذار. من جهة، الأولوية لمنطق المواجهة الإقليمية. لكن من جهة أخرى، أولوية هذا المنطق تكمن في المواجهة المحليّة مع من يرى عكس ذلك. بل إنّ الأولويّة لا تعود فقط لمواجهة من لا يرى عكس ذلك في باب "السلاح" و"الإستراتيجية الدفاعية" والأمور الأمنيّة، وإنّما المواجهة على أساس منطق التذكير المستمرّ، بأنّ الإستقرار "المغدق" على البلد هو استقرار جزئيّ، مؤقّت، غير قائم بذاته، بل هو يستحضر عند كل ملف، وعلى عتبة كل استحقاق، من البلديات إلى الموازنة، شبح التعطيل، دون تأزيم الأمور إلى حيّز المواجهة، وإنّما تطويرها بالشكل الذي يذكّرنا بكل مرّة، بأنّ ثمّة يداً غير لبنانية تعيد تيسير الوضع من طريق "التشغيل اليدويّ".
الهدف إذاً من إثارة قضايا "قطع الحساب" مع حكومات السنيورة، من يوم أثير موضوع تعويضات حرب تمّوز، إلى يوم إثارة موضوعي اتفاق الهبة والـ"11 مليار دولار المصروفة خارج القاعدة الإثني عشرية"، هو هدف يتعدّى مجرّد الضغط الداخليّ على المؤسسات الدستوريّة، وعلى رئيسي الجمهوريّة والحكومة. إنّه ضغط يراد منه التذكير، بشكل دوريّ، بأنّ الإستقرار ممنوح لنا بالتشغيل اليدويّ، وبشكل مشروط، ومحدود، وناقص، وأنّه من الضرورة مراجعة "ضابط الإستقرار" عند كل ملف، لكي يبلغ هذا الملف خواتيمه السعيدة، ولكي يسير ايقاع المؤسسات والاستحقاقات الدستورية بالشكل المرضي.
الخلاصة إذاً: الممانعة لا تستطيع أن تركّز على المواجهة مع العدوّ، وعلى الإتيان بخطاب يحصر المواجهة مع العدوّ. تنتقل هذه الممانعة من إعطاء الأولوية للمواجهة مع العدوّ على المنطق الذي يعطي الأولوية للمصالح اللبنانية، إلى إعطاء الأولوية للمواجهة مع منطق أولوية المصالح اللبنانية، ومن ثم إلى المواجهة مع المصالح اللبنانية بحدّ ذاتها، أي عملياً، إلى اعتبار هذه المصالح لا تتأمّن، إلا بـ"المفرّق"، وكل يوم بيومه، وعلى قاعدة حفظ الحق في التعطيل والتفجير الداخليين متى تطلّبت المواجهة الإقليمية ذلك.