…. هناك فرق كبير وشاسع بين الكيدية والنقاش حول مسألة، واختلاف الرأي هنا يكون مشروعاً، ولكن، عندما يتحوّل الاعتراض لمجرد الكيدية عندها تبدو المسألة غير سليمة بل ملتبسة.
… وإذا كان هناك نقاش داخل مجلس الوزراء حول الموازنة وهناك اختلاف في الرؤى فهذا لا غبار عليه، شرط أن يكون النقاش موضوعياً ومن أجل التحسين لا العرقلة.
… إلا أن هذا النقاش داخل مجلس الوزراء وخارجه خرج، على ما يبدو، من أطره الموضوعية، وتحوّل الى جدل لا طائل منه على الاطلاق، وإذا أخذنا الامور بحسن النوايا فهناك خطأ في تقدير البعض لما ستؤول إليه الامور، ما يؤدي الى العرقلة، ونحن بالطبع لن ندخل في لغة الارقام، وهذا ما نتركه لأصحاب الاختصاص، ولكننا في الوقت عينه نجد أن بعض الوزراء يناقش في أمور بعيدة من الواقع، والبعض من السياسيين يطرحون ما لا يمكن تطبيقه على الاطلاق.
… ولعل البعض يتجاهل أن معدّل النمو في هذا البلد وصل الى سبعة في المائة، وهو مرشح ليرتفع الى ثمانية في المائة، وهذا أعلى معدل في العالم النامي يعكس حال الاستقرار الذي يعيشه البلد، ويؤكد على سلامة الخطة الاقتصادية، وأيضاً نذكر من لا يتذكر أن احتياطي المصرف المركزي كان صفراً، ووصل اليوم الى أكثر من ثلاثين مليار دولار، وكذلك فإن موازنة المصارف اللبنانية المجمعة وصلت الى مائة وعشرين مليار دولار، وهذه الودائع المهمة ناتجة عن السياسة المالية الناجحة جداً، والتي يشهد لها القاصي والداني.
وأما المديونية العامة فلها أسبابها، وهي ناتجة عن الحروب التي عصفت بالبلاد، والتي دمرت البنى التحتية، وأحرقت الاخضر واليابس، إضافة الى الحروب الاسرائيلية التدميرية، وقد تم تدمير الكهرباء أكثر من مرة، وكان لا بد من إعادة إعمار ما دمر.
ويجب ألا يغيب عن بال أحد أن الازمة المالية العالمية، والتي هزت دولاً عظمى، وهددت أكثرية دول العالم، لم يتأثر بها لبنان الذي بقي اقتصادياً ومالياً متماسكاً وصامداً، بل أكثر من ذلك، فقد وجد العالم أن المصارف اللبنانية آمنة الى حد كبير، أليس ذلك نتاجاً للسياسة المالية والاقتصادية الناجحة جداً؟…
وهل هناك بلد في هذا العالم عصفت به الحروب، وكل فترة تقوم اسرائيل بشن الاعتداءات المدمرة عليه يبقى على هذا الصمود والاستقرار المالي والاقتصادي سوى لبنان.
.. كل هذا يجب أن يدفع الجميع الى الكف عن التشكيك وإطلاق الارقام الهائلة من دون أي تبرير، فلم يقل أحد من هؤلاء الذين يشككون كيف هناك تبديد للأموال، وهذا غير صحيح، بل كل همّ هؤلاء التشكيك في نجاح السياسة المالية والاقتصادية لغاية في نفس يعقوب.
.. إن المطلوب القليل من الهدوء، وقياس الامور بمقاييس وطنية بعيداً من الكيدية، وبعيداً من التنظير الذي ثبت انه لا جدوى منه.