#adsense

حكماء خارج “التيار”

حجم الخط

كان لافتاً حديث اللواء أبو جمرا عن العشائرية والتفرد اللذين اكتشفهما اخيراً في شخصية الجنرال عون، ذلك أن العلاقة الوطيدة التي جمعت الرجلين طوال عقود من الزمن كانت أكثر من كافية كي يكتشف أحدهما شخصية الآخر، إلا أن الحكمة تأخرت في ملاقاة المشيب، فاستمر أبو جمرا إلى جانب عون المستأثر والمتفرد يجاريه في كل سقطاته، إلى أن استتب الأمر للجنرال وقرر بدء عملية توريث التيار إلى صهره.

بالطبع لم تكن بصمات جبران باسيل بعيدة عن خطوة الدعوة إلى استقالات جماعية لمعظم مسؤولي "التيار"، ذلك أن الإطاحة المفضوحة بالمعترضين على نهج الإستئثار والتوريث سترتد سلباً على صورة "التيار" لدى مؤيديه، فأتت الخطوة في الشكل بمثابة إعادة تنظيم، أما في المضمون فإن هذه الخطوة ستنتهي إلى الإطاحة الفعلية بكافة الوجوه المعترضة، إن عبر عدم تجديد البطاقة الحزبية أم عبر حرمانهم من تسلم أي مسؤولية بحيث يكون بقاءهم في التيار لزوم ما لا يلزم. من هنا يبدو كلام أبو جمرا الأخير عن كون "هيئة الحكماء" لا تزال في صلب التيار بعيداً عن الواقع، وذلك لسببين رئيسين: الأول، أنه لا مكان للحركات التصحيحية في ظل حكم الجنرال عون للتيار ولا مكان لمن يخالف أوامر القائد الأوحد، أما السبب الثاني فيتعلق بـ"الحكمة" التي يدّعيها قادة الإعتراض الأربعة والتي من المستحيل أن تتبلور وتنمو وتنضج داخل السجن الكبير الذي بات "التيار" يقبع داخله.

يدرك اللواء أبو جمرا أن العماد عون لم يحترم يوماً التراتبية والإنتظام داخل المؤسسة العسكرية وذلك أثناء توليه مسؤولية قيادتها ومن ثم أثناء توليه مسؤولية رئاسة الحكومة الإنتقالية، بحيث يذكر كل من عايش تلك المرحلة أن العماد عون كان أقرب إلى الضباط الصغار منه إلى كبار الضباط، أولئك الذين تم استبعادهم عن مراكز القرار والنفوذ، يومها لم نسمع صوت "الحكيم" أبو جمرا معترضاً على التفرد والشخصنة، ثم بدأ العماد عون تنفيذ مشروعه الشخصي بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، مقنّعاً بمشروع "الجيش هو الحل"، الذي وضعه عدد من الضباط وظهّره أحدهم من خلال كتاب صدر عام 1988 وتضمن مخططاً واضحاً للسيطرة على الحكم بعد انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل، في تلك المرحلة كانت الخطوط مفتوحة على مصراعيها بين قائد الجيش اللبناني والقيادة السورية، وكان الثمن السوري المطلوب لتحقيق طموحات الجنرال القضاء على "القوات اللبنانية". واستمر صمت "الحكماء" المزهويين يومها بشخصية القائد، وبان المستور فتكشفت الأيام عن حقائق مخزية من اتفاقات من تحت الطاولة إلى إدخال أسلحة سورية لمقاتلة "القوات اللبنانية" وصولاً إلى لقاءات المنفى مع رموز زمن الإحتلال وانتهاءً بوثيقة التفاهم التي شرّعت سلاح ميليشيا "حزب الله" على حساب الوطن وسلاح الجيش وسيادة الدولة. وبعد كل ذلك يتنطح "الحكماء" ليخبروننا أن الخلاف مع العماد عون تنظيمي، ويتعلق بالنظام الداخلي للتيار، وبأمور الإنتخابات والتعيينات وأصول اتخاذ القرارات وضرورة إشراك الهيئة التأسيسية في القرار إلى ما هنالك من أمور تنظيمية لم يحترمها الجنرال يوماً في مختلف جوانب حياته العسكرية والسياسية. لذلك وإلى أن تدرك الحكمة الفعلية "الحكماء" ويتيقنون أن المشكلة الأساسية مع العماد عون هي المشروع الباطني الذي طالما حلم به وحمله وسعى لأجله، يكون قد فات الأوان على إصلاح "التيار"، هذا "التيار" الذي سَيُضمِّن نظامه الداخلي المستقبلي نظاماً جديداً لسن التقاعد يرتبط بمستوى الحكمة الذي يبلغه أعضاؤه، فلا يكون بعدها من حكماء في "التيار".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل