إذا ظل لبنان يعيش في ظل وضع شاذ إلى أجل غير معروف
لا قيام لدولة ولا وجود لمؤسسات ولا حتى وطن
يرى مرجع ديني أنه ما دامت أشياء كثيرة في لبنان "تسير بالمقلوب" فلا يمكن أن تقوم دولة، وإذا قامت فلن تكون لها سلطة فاعلة، وعندها يصير البحث عن وطن، لأن لا وطن بلا دولة ولا سلطة…
ويضيف أن لبنان الوطن السيد الحر المستقل يتطلب أن تكون فيه دولة مؤسسات وقانون، وسلطة لا سلطة سواها ولا سلاح غير سلاحها، وعندما يفقد الوطن هذه المقومات فإنه يظل مشروع وطن والدولة فيه مشروع دولة أو دولة قيد الدرس.
والطريق الى الدولة هي الطريق الى وطن سيد حرّ مستقل له نظامه الذي يؤمن الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي. ففي الماضي اختار لبنان النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الأكثرية والأقلية تعارض، فيما سواه اختار النظام الشمولي العسكري أو الحزبي أو الديني، واختار لبنان الاقتصاد الحرّ فازدهر، واختار سواه الاقتصاد الموجّه فتراجع، واختار الحرية سبيلاً الى التعبير عن آرائه السياسية والحزبية وعن معتقداته الدينية، فأصبح منارة لها، فيما سواه اختار سياسة القمع والظلم والاستبداد وانتهاك حقوق الانسان فظل دولة متخلّفة.
لقد بات على اللبنانيين أن يتفقوا على أي لبنان يريدون، وأي نظام، وأي دولة، لأن استمرار خلافهم لن يقيم دولة ولن يبني وطناً. هل يريدون لبنان وطناً سيّداً حرّاً مستقلاً لا وصاية لأحد عليه، أم يريدونه وطناً يخضع لوصاية هذا أو ذاك؟ هل يريدونه وطناً يحمي نفسه من الصراعات والنزاعات البعيدة والقريبة ويحيّد نفسه عنها ليضمن العيش الهادئ والكريم لجميع أبنائه، أم يريدونه ساحة مفتوحة لهذه الصراعات وملعباً للمتقاتلين ولعبة يتحمل عنهم الخسائر البشريّة والماديّة؟ هل يريدونه دولة لا دولة سواها ولا سلاح غير سلاحها، أم يريدونه دولة ضمن دويلات ولكل دولة سلاحها وسلطتها وقوانينها؟ هل يريدون له نظاماً ديموقراطياً تحكم الأكثرية بموجبه والأقلية تعارض وتحاسب، وقد نجح تطبيق هذا النظام في لبنان مدى سنوات، أم يريدون له نظاماً هجيناً لا أكثرية تحكم بموجبه ولا أقلية تعارض وتحاسب بل حكومة تحاسب نفسها بجمع ممثلي الأكثرية والأقلية فيها، ومجلس النواب – وهو المؤسسة التي تمثّل إرادة الشعب – تبقى شبه معطّلة، وبتعطيلها يصبح الشارع هو مكان المواجهة ووسائل الاعلام هي المنابر التي يتبادل من فوقها الوزراء والنواب والسياسيون الاتهامات، وحتى الشتائم؟
يوم كان لبنان يطبّق النظام الديموقراطي تطبيقاً صحيحاً، كانت الأكثرية النيابية تؤلف الحكومة والاقلية تعارض، وكانت الحكومة تتحمل أمام مجلس النواب مسؤولية سياستها الاقتصادية والمالية والانمائية، وتحيل الموازنة على مجلس النواب لمناقشتها وتضطر أحياناً إلى طرح الثقة بنفسها دفاعاً عن أرقامها، ولم تكن الموازنة كما اليوم تناقش في الأندية السياسية أو في الشارع أو على صفحات الجرائد، بل في مجلس النواب، ووسائل الاعلام تنقل الوقائع، وكان الكلام على الفساد والرشوة وإهدار المال العام لا يتحول سوق عكاظ أو فريق زجل يجعل الشعب وهو يسمع الاتهامات المتبادلة يضيع عن الحقيقة ولا يعرف مَن كلامه صح ومَن كلامه خطأ. الواقع، إن مجلس النواب كان المكان الطبيعي والصالح للمناقشة وتفنيد كل تهمة والرد على كل سؤال او استجواب، بل كان النائب لا يلجأ الى وسائل الاعلام لإطلاق الكلام على عواهنه وتوجيه الاتهامات جزافاً، بل كان يعدّ ملفاً موثقاً يثبت فيه بالأدلة والبراهين صحة اتهاماته، فإما يستطيع من تستهدفه هذه الاتهامات نقضها أو لا يستطيع ذلك. فتكون الكلمة الفصل للأكثرية النيابية ثم للشعب يوم الحساب في الانتخابات. وكان النائب يوجه سؤالاً إلى الحكومة في الموضوع الذي يثير الشكوك، فإذا جاءه الجواب مقنعاً كان به، وإلا حوّله استجواباً وطلب طرح الثقة بالوزير أو بالحكومة كلاً .
وتساءل المرجع نفسه أين نحن اليوم من الأمس، فلا أسئلة يوجهها النواب ولا أجوبة من الحكومة إلاّ نادراً، ولا استجوابات تنتهي بطرح الثقة، حتى ولا جلسات مناقشة عامة نصّ عليها النظام الداخلي، وكأن البلاد سائرة شيئاً فشيئاً نحو تعطيل المؤسسات لتبرير إداراتها من الخارج، فلا رئيس جمهورية يُنتخب إلاّ بعد المرور بأزمة مفتوحة على مجهول، لا لشيء سوى أن الأقلية تقاطع جلسات انتخابه لتحول دون اكتمال النصاب المطلوب للانتخاب، وهو ما ينبغي معالجته دستورياً، فلا يبقى انتخاب الرئيس عرضة لشتى التفسيرات والاجتهادات.
وأيضاً لا حكومة يمكن تشكيلها من دون المرور بأزمات، لأنه مطلوب جمع الأكثرية والأقلية فيها، ليس تمثيلاً للاتجاهات السياسية بل تمثيلاً لكل المذاهب وكما يريد كل مذهب، فتصبح الحكومة صورة مصغرة عن مجلس النواب وتنتقل المعارضة من داخل المجلس الى داخل الحكومة فيتعطل عندئذ اتخاذ القرارات إذا ظل التوافق عليها متعذراً، ومجلس النواب لا يجتمع لأن من يحاسب الحكومة هي الحكومة نفسها التي تجمع الأكثرية والأقلية، وهذه المحاسبة تكون إما بالتوصل إلى تسوية للخلاف الحاصل، وإما بتهديد من يتعرض للمحاسبة بالانسحاب من الحكومة لتواجه خطر السقوط ووضع البلاد أمام أزمة وزارية قد تتحول أزمة حكم… ولا أسئلة أو استجوابات توجّه الى الحكومة لأنها توجّه إما من الأقلية النيابية الممثّلة في الحكومة، وإما من الأكثرية الممثّلة فيها، وهذا غير منطقيّ وغير طبيعي.
لذلك ينبغي إخراج لبنان من الوضع الشاذ الذي يعيش فيه، فيختار الزعماء، وبدون تلكؤ اي نظام يريدون، وأي دستور، وأي دولة، وأي وطن، لأنه إذا ظل يعيش في ظل هذا الوضع فلن تكون دولة ولا مؤسّسات، حتى ولا وطن سيّد حرّ مستقل.