#adsense

كي لا نسكر من الزبيبة

حجم الخط

"عاشر الناس كبار العقول وجانب الجهال اهل الفضول
واشرب نقيع السم من عاقل واسكب على الارض دواء الجهول"
رباعيات الخيام

الحلم العربي
منذ بضع سنوات ظهر عمل فني متقن سمي "أوبريت الحلم العربي" وهو عبارة عن اغنية يؤديها عدد من الفنانين العرب تتحدث عن الحلم العربي بالوحدة والانتصار، وتترافق مع هذه الأغنية مقاطع مصورة من الأرشيف عن تاريخ النكبة وزمن عبد الناصر بأحلامه وكوابيسه والاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وفلسطين. باختصار، فقد أثارت الأغنية عواطف الملايين من العرب ومن ضمنهم أنا، فرحت اتحدث بحماسة بالغة عن مدى تأثير هذه "الاوبريت" على الوضع القومي واعادة تحفيز الشباب للاهتمام بقضية العرب الأولى, فما كان من والدي يومها الا ان قال: "انتو يا ابني من الزبيبة بتسكروا، فقد شبعنا في أيامنا نحن من المئات من الأغاني الوطنية على لسان أم كلثوم وعبد الحليم وفيروز وغيرهم، ولم يكن لهذه الأغاني دور في شيء إلا الإغراق في الأحلام، في حين ان هدف الفنان الأول هو كم من التسجيلات سوف يباع في السوق وكم مرة سوف تذاع الأغنية في الراديوات الرسمية العربية.."

الحلم العثماني

خطر هذا الحديث على بالي عندما سمعت الإشادة ولاحظت الحماسة الهائلة التي احتفلت بالموقف التركي المستجد، وموقف رئيس الوزراء التركي الأخير حول قضية اسطول الحرية حيث سقط الشهداء الاتراك الأوائل في الصراع مع اسرائيل.

فجأة بدأت الأحلام بتشكيل جبهة واسعة تضم احدى اكبر الدول الاسلامية وأكثرها جهوزية من الناحية العسكرية، فلربما تمكن هذا الواقع من اعادة خلط الأوراق في المنطقة، وتحفيز الدول العربية المتخاذلة والمترددة والمستضعفة للعودة الى خطاب العزة والكرامة.

وفي نفس الوقت بدأ الحديث عن دور السلطان عبد الحميد العثماني في رفض بيع فلسطين الى اليهود في أواخر عهد السلطنة العثمانية التي حكمت المنطقة على مدى أربعة قرون، وكيف ان مؤامرة يهودية خبيثة أدت لاحقاً الى اخراج تركيا من المعادلة من خلال القوقعة القومية التي فرضها أتاتورك بعد انهيار السلطنة العثمانية قبل وخلال الحرب العالمية الأولى.

كل هذه التخريفات اليوم بنيت بمجرد ان الرئيس رجب طيب اردوغان نطق ببعض الجمل والخطابات تحت وقع الحدث، وصل في اقصاها الى ان العلاقات التركية ـ الاسرائيلية سوف تسوء اذا لم تقبل اسرائيل بلجنة تحقيق دولية في مجزرة اسطول الحرية.

هذا لا يعني أبداً التقليل من شأن الموقف التركي الجديد، ولا أستهتر بموقف رئيسها، ذلك أن إسرائيل بالتأكيد، وبعد سنوات من التعاون الاقتصادي والعسكري مع تركيا لا تريد أن تخسر شريكاً قد يكون الأقرب إليها بين الدول الإسلامية على الرغم من العلاقات القائمة على مضض مع مصر والأردن.

ولكن الواقع هو أن تركيا لم تكن يوماً حليفاً جدياً لإسرائيل، حتى في ظل حكم العسكر، وعلى الأرجح فإنها لن تصبح عدواً يفتح الجبهات معها، على الأقل في المدى المنظور. فالواقع هو أن تركيا لا تزال جزءاً من حلف شمال الأطلسي، وسياساتها العسكرية والدفاعية مرتبطة بشكل وثيق بهذا الحلف. كما أن الاقتصاد التركي على الرغم من بعض النجاحات المبنية أصلاً على الاستقرار، لا يزال هشاً في ظل الحاجة الدائمة الى الإنماء. كما أن الحلم التركي بالانضمام الى أوروبا لا يزال قائماً وهو على الأرجح أهم من هبّات العزة والكرامة. ولا أعتقد أن تركيا، حتى في ظل الحكم شبه الإسلامي الحالي، مستعدة للتخلي عن كل ذلك وتغيير موقعها.

كما أنه يجب الإشارة الى أن التركيبة الديموغرافية التركية، بوجود الأكراد الطامحين دائماً الى إنشاء دولتهم الخاصة، قد يضعهم في موقع الحذر الدائم من أن يفتحوا المجال لظروف قد تعيد إبراز هذه القضية الى الواجهة من خلال التدخلات الأجنبية.

الواقع المطلوب
كل هذه المعطيات يجب ألا تدفع العرب الى خطوات في المجهول، على الرغم من شرعية الإشادة بموقف أردوغان، لأن الإحراج الأكبر لدولة العدو هو في استمرار الطرق على العملية السلمية والإصرار على المبادرة العربية للسلام وإبرازها بشكل دعائي للعالم، وبالأخص للغرب، ففي لقاء مع عضوين من الكونغرس الأميركي زارا لبنان أخيراً، أكدا لي أن معظم أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الأميركيين لا يعلمون بوجود مبادرة عربية للسلام، وبالتالي فقد تكون قلة قليلة من الشعب الأميركي تعلم بوجود نيات سلام عند العرب أصلاً وكل ما تعرفه هو أن إسرائيل محاطة بمجموعة من الدول، قد تضاف إليها تركيا اليوم، هدفها إزالة إسرائيل، وهذا حسب قولهم ما يدفعهم الى الدفاع دائماً عن "الدولة المستفردة".

على هذا الأساس فإن علينا الآن الطرق على إحراج إسرائيل والغرب في مسألة السلام العادل واستكمال المسار من خلال دعاية مركّزة لشرح الموقف العربي للمواطن الغربي على مختلف المستويات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل