لا أحد يشكك بحقيقة أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تصاعداً في حالات التوتر والانسداد والتأزيم على خلفية عدد من الملفات الكبرى، يأتي في مقدمها البرنامج النووي الإيراني، وجمود عملية السلام، في موازاة الأحداث التي تنبئ بأن المنطقة تتجه بسرعة إلى الانزلاق نحو دائرة التصعيد، في ضوء تداعيات الغارة الإسرائيلية المميتة على "أسطول الحرية" الذي كان ينقل مساعدات إلى غزة، والتي أرخت بظلالها الثقيلة على آفاق عملية السلام وكل الآمال المعقودة على الجهود الأميركية لإعادة تحريك هذا المسار، من جهة، أو ردة فعل إيران المحتملة على قرار العقوبات الدولية عليها، شكلاً وتوقيتاً وساحةً وأهدافاً، من جهة ثانية.
في القراءة السياسية للنتائج المحتملة لكلا الأمرين: مجزرة المتوسط الإسرائيلية، والعقوبات الدولية على إيران باعتبارها فعلاً سيجرّ حتماً ردة فعل، وإن كان يقطع الطريق، ولو مؤقتاً، على خيار الضربة العسكرية ثمّة توجهان متضاربان:
الأول: يعتبر أن من شأن الجريمة الإسرائيلية ضد أسطول الحرية، دفع المنطقة الى حافة الهاوية، ولا يستبعد إقدام تل أبيب على مغامرة عسكرية للهروب من المأزق الذي أقحمت نفسها فيه، جراء الجريمة الوحشية التي اقترفتها واستنهضت العالم ضدها.
ويبدي أصحاب هذا الرأي تخوفهم من احتمال قيام اسرائيل باعتداء على لبنان في المدى المنظور، في اطار سياسة ترميم قدرتها الردعية، خصوصاً أنه سبق أن مهدّت بسلسلة من التهديدات والاتهامات بنقل سوريا صواريخ "سكود" الى "حزب الله" وغيرها. فتل أبيب التي ترى قدرتها الردعية تتضاءل يوماً بعد يوم منذ العام 2006، ما كانت لتلجأ إلى "المواجهة" بحدها الأقصى مع تركيا إلا في إطار الإعلان بأن قوتها الردعية هذه باتت مرممة ومستعدة لكل الاحتمالات.
تأسيساً على ذلك، ومن دون إغفال الاستحقاقات المترتبة على رغبة المجتمع الدولي في تحريك عملية السلام في ظل الحديث عن مبادرة أميركية دولية يجري التحضير لها تقضي بطرح حل نهائي على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، فإن ما يجري ينعكس اضطراباً على مكونات الحكومة الإسرائيلية اليمينية، ويدفع باتجاه اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام، حتى لو كانت تعني الانزلاق نحو شنّ حرب في المنطقة.
كل ذلك، يتوازى مع تشديد المجتمع الدولي الخناق على طهران، من خلال اعتماد "العقوبات الذكية" التي تعتمد الآثار متوسطة وبعيدة المدى، لكن ذات الفاعلية الكبيرة والمدمرة، وكل ذلك يشكل تقاطعاً إقليمياً يفيد من خلط الأوراق بهدف تأجيل الاستحقاقات الكبرى.
الثاني: يعتبر أن الجريمة الإسرائيلية على فظاعتها قد تشكل مؤشرا الى معاودة المفاوضات بقيادة المبعوث الاميركي للسلام في الشرق الاوسط جورج ميتشيل بوتيرة أعلى، والدفع في اتجاه الإجراءات العملانية لتحريك عملية السلام، ذلك ان ثمة اتجاهاً في الإدارة الاميركية (أصحاب نظرية أن إسرائيل باتت تشكل عبئا على أميركا) يدفع باتجاه الاستفادة من وضع اسرائيل المأزوم، وبالتالي يمكن إجبارها على الجلوس الى طاولة مفاوضات من دون فرض شروطها المستعصية على الفريق الآخر كعادتها. حتى إن ميتشل نفسه شدد على أن ما جرى ضد أسطول الحرية "يظهر الحاجة الى التقدم في محادثات السلام، وتاليا تحقيق تقدم في المفاوضات وليس نسفها".
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول إنّ التداعيات السلبية التي لحقت بإسرائيل على أكثر من مستوى سياسي اقليمي ودولي، يجعلها تفكر مرات قبل خوض مغامرة مماثلة، بما يصب في الاتجاه الذي يستبعد إقدامها على أي تصعيد ضد لبنان، من دون أن يعني ذلك تطميناً كاملاً من مفاجآت غير محسوبة باعتبار ان المنطقة هي الشرق الاوسط ولا شيء يمكن ان يكون محسوما، وخصوصاً ما كان متعلقاً بإسرائيل.
ويضيف هؤلاء، ان فشل إسرائيل في تسويق "روايتها" لمبررات الهجوم على "أسطول الحرية" ومواجهتها حملة عالمية سلبية سلطت الأضواء مجددا على حصار غزة ومعاناة الفلسطينيين وقتلها ناشطين مدنيين، وتالياً فشلها في تبرير استمرار حصارها لغزة، وقبل ذلك فشلها في تسويق رواية نقل صواريخ "سكود" الى "حزب الله"، فان أي اعتداء من جانبها على لبنان في اتهامات غير مثبتة أو غير صحيحة سينعكس بشكل سلبي ويرتب تبعات اضافية على إسرائيل.
في المقابل، يقول أصحاب هذا الرأي، إن إيران تعرف جيداً، أن أي قرار دولي ضدها سيكون "بلا أسنان"، طالما أن ثمن الاجماع عليه في مجلس الأمن مساومات كثيرة، وتنازلات قدمتها أميركا إلى كل من الصين وروسيا تأمينا لعدم التصويت ضده بـ "الفيتو"، ما يعني أن سقف القرار محكوم باعتبارات مصالح هذه الدول، من دون أن يلغي هدف طمأنة إسرائيل الحريصة على قطع الطريق على امتلاك ايران سلاحاً نووياً بأي ثمن، حتى لو كان ذلك باللجوء إلى خيار العمل العسكري ضدها. كل ذلك، يرجح كفة أن تتعامل إيران مع العقوبات بوصفها محطة من محطات تفاوضها الطويل والشاق مع المجتمع الدولي لتحقيق أعلى المكاسب السياسية والديبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية في مقابل التخلي عن برنامجها النووي، وهي اعتبارات ترجح كفة الابتعاد عن أي توتير إقليمي تتهم فيه طهران.
وبين إنشغال طهران بمسألة العقوبات وتأثيراتها على الداخل الإيراني، وتصدّر تركيا لمقاربة موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، بعد التحول الكبير في موقف أنقرة حيال قضايا المنطقة عموماً، وعلاقتها بإسرائيل بشكل خاص بعد عقود من العلاقة الإستراتيجية العميقة، مع ما ينبئه كل ذلك من تغيير في معطيات الواقع، تبدو الورقة العربية أمام شراكة إقليمية جديدة، فإسرائيل وفي سياق تملصها من جرائمها تواصل سياسة الهروب الى الامام، مع شعورها بأنها تخسر حتى الولايات المتحدة، أما إيران فتشعر بأن قوة إقليمية فاعلة بدأت تسحب من يدها ورقة مهمة من أوراق الصراع في المنطقة، وكل ذلك يطرح تساؤلات كبيرة حول المستقبل.