لم افاجأ في سياق فكر وفلسفة "المقاومجية" من الحملة المنظمة على حفل غنائي لفرقة عالمية بحجة انها زارت اسرائيل واحيت حفلات هناك … كما لم افاجأ بردات الفعل "الاهلية" التي صدرت في مؤتمرات صحافية واطلالات اعلامية من على اكثر من وسيلة اعلامية لقوى "8 اذار"… فكل هذه الاوركسترا الشعواء تندرج في اطار جو عام لدى "المقاومجية" مفاده: ان حتى صوت الساكسوفون و"الغيتار" الكهربائية لا يعلو فوق صوت تهديدات المحور الممانع وطبول المعركة … فهؤلاء قرروا ان لبنان هو الحلبة الفضلى لصراعهم مع اسرائيل شاء لبنان ام ابى … شاء اللبنانيون ام ابوا…
ان الجو العام السائد لدى "المقاومجية" ينطلق من رؤية مفادها ان لبنان كله داعم لسياساتهم – وعندما يتكلمون عن لبنان كله يعنون في احسن الاحوال 50% من الشعب الواقف وراءهم عددياً ورأيا واعلاما وعاطفيا وتعاطفا بينما هم يرون بالـ50% كل لبنان – فباقي لبنان ليس بالنسبة اليهم لبنان بل ربما الفيليبين او قبائل في اقاصي ادغال الامازون … وبالتالي تبدأ من هنا قصة التزوير السياسي والاعلامي المرافق لوقائع وحقائق الواقع اللبناني – وصولا الى شن حملة "غسل دماغ " لاقناع الرأي العام المتعاطف معهم بمثقفيه ومفكريه ومواطنيه و… ضباط الجيش القدامى والمتقاعدين … بأن سلاحا غير شرعي اهم من سلاح الجيش الوطني وبأن المقاومة هي البديل وينسوا الاشارة ولو من باب الوقوف عند خاطر مناقبيتهم العسكرية بأن المطلوب الاول والاولوية الموازية يجب ان تكون في العمل على تقوية الجيش والقوى الشرعية .
المشكلة لدى المقاومجية ان ثمة درجتين في فكرهم العبثي: الدرجة الاولى ويعبر عنها بضرورة المقاومة وسلاح المقاومة، والدرجة الثانية هي في الامعان في استضعاف الدولة واجهزتها وجيشها كي يبقى لهم مبرر وجود ومبرر استمرار الى حين استنفاد الاهداف والاستراتيجيات الايرانية والسورية في المنطقة …
كما ان الوجهة الاخرى من المشكلة مع "المقاومجية" هي ما عبر عنه النائب نواف الموسوي منذ ايام عندما شن حملة على الدولة اللبنانية لكونها ضعيفة لا تأمن الخدمات والتنمية والانماء للبنانيين الجنوبيين وسواهم – متناسيا ان حزبه هو اول من عرقل عمل الدولة منذ 2005 كي لا نتكلم عن المراحل السابقة ولم يقدم اي مساعدة للدولة اللبنانية في مناطق وجوده لتستطيع تلك الدولة تقديم الخدمات والانماء والتنمية.
اكثر من ذلك ماذا فعل "الحزب" لتقوية الدولة ومدها بالسلاح وقد حازت بحسب مواقف وتصاريح قادة المقاومة على ثقتهم وثقة عقيدة الجيش الحربية وسياسات الرئيس لحود وقبله الهراوي؟
على كل حال وبالعودة الى موضوعنا فان ما نستنتجه من الحملة على الفرقة الموسيقية وتداعياتها ما يأتي:
اولا : هناك محاولة واضحة ومكشوفة لعزل لبنان عالميا وسياحيا وضرب انفتاحه على كافة الثقافات والفنون العالمية، ليبقى اسيرا بيد خاطفيه "المقاومجية" ومن وراءهم في طهران ودمشق.
ثانيا: ثمة قرار متخذ بتحويل لبنان رويدا رويدا الى هانوي ثانية حيث المنطق السائد منطق تعبوي واستنفاري وحربي في مواجهة اسرائيل – وبحجة الممانعة والمواجهة واحباط المشروع الاميركي – الصهيوني العربي … الى ما هنالك: فتحت وطأة حالة الحرب والتعبئة يتاكل لبنان شيئا فشيء كصورة ارض سلام ووتلاقي الثقافات والفنون – ليتحول تحت وطأة سلطة السلاح وضغط السلاح الى ارض حرب ودماء ودموع واستشهاد وطوارىء – من اجل الاخرين – فندفع كلبنانيين اثمانا باهظة ونسيىء مجددا ونحن على ابواب موسم سياحي واعد بهذه الصورة التسامحية والسلمية للبنان ارض الحياة والمستقبل والتألق.
ثالثا: ثمة قرار اخر متخذ وهو عسكرة كل شيء: عسكرة الفن والثقافة والاقتصاد والاجتماع والمعيشة – كل ظاهرة عامة ترى بمنظار عسكريتاريا "المقاومجية" – وكل حدث ولو فكري او فني يربط بالصراع العقائدي مع الصهيونية واليهود واسرائيل – ومع فلسفة ولاية الفقيه المواجهة الحاسمة مع العدو – حتى يكاد لبنان واللبنانيين يختنقون من هذا الضغط النفسي والفكري والسياسي السائد عليهم فيهجرون او ينتحرون او يجنون … فكل شيء في لبنان تعطى له معان سياسية كما ان كل شيء وحتى الرياضة تسيس اليوم بين "مقاومجي" وداع الى قيام الدولة …
رابعا: الكلمة اليوم للسلاح و"المقاومجية" والملف النووي والمحورية السورية – الايرانية من اجل المنازلة الفاصلة على ارض لبنان اولا – فكيف يمكن والحالة هذه ان يهتم هؤلاء بفرقة "بلاسيبو" او جان ميشال جار. فلا وقت لديهم كما ان لا رغبة لهم في استقبالهم في لبنان لان لبنان لهم وحدهم … او عفوا لان قرار لبنان يتخذ في الضاحية الجنوبية وعلى الخط الاحمر بين حارة حريك ودمشق وطهران …
فلبنان كما نظرية "كل الشعب مع المقاومة " كله هم وحدهم : فلا لبنانيين الا شعب وجمهور 8 اذار، ولا لبنان الا المساحة الممتدة بين الضاخية والبقاع فالرابية فبنشعي – وكل الباقي ليس لبنان ولا يهم …
انه منطق التقوقع … منطق الانعزال الجديد مع الانعزاليين الجدد … منطق الغاء الاخرين واكثر من ذلك اعتبارهم غير موجودين …
منطق عبر عنه خير تعبير سلميان فرنجية وقد كان يمن النفس بأن طاولة حوار من دون جعجع افضل … ولما لا دون "14 اذار" باكملها ؟ ليكون الحوار عندها هادفا وناجحا ومنسجما حتى في ادق التفاصيل …
فـ"بلاسيبو" في بيروت علامة فارقة ان في لبنان لا تزال الحياة والحضارة ثقافة، والارض ارض تلاقي وتسامح وسلام ومحبة …
ولكن كيف يمكن ان يأتلف فريق "بلاسيبو" مع هانوي "المقاومجية" …
فلبنان كتب عليه ان يبقى ارض معارك الاخرين عليه وبه وفيه … ارض الحروب العبثية … ولا شيء سوى الحرب والموت والدمار …
فمنطق الممانعة يرفض منطق "بلاسيبو" وامثاله … وهو في كل الاحوال يرفض منطق الدولة ورسالة لبنان الفريدة للعالم …
انفتاح في مقابل انعزال … هذا هو الصراع الحقيقي بين رؤية "8 آذار" ورؤية "14 اذار" … فلعل "بلاسيبو" اصبحوا من "14 اذار" ولا ندري …