تفوح رائحة دماء. هو حديث الانتقام. كثر هذا الحديث في الآونة الاخيرة. لا يحبّ سليمان بيك أحاديث السلام. لا يبرع فيها. لا يحبّ، أو… لا يُراد له أن يحب، أن يتّفق المسيحيون. ليست القصة في الاختلاف السياسي أو العقائدي. هو اختلاف وخلاف جوهري في القيم. يزعل المسيحيون تحديدا، لحرب المواقف والسجالات المتصاعدة بين "القوات اللبنانية" و"المردة". حقهم أن يفعلوا. ونحن أيضا نزعل على وليمة الصفحات والسجالات، وحكايا مجازر بين الأخوة، وشهداء أبرياء، وأناس من الطرفين، ما زالوا يحاولون التناسي وتضميد الجراح والمسامحة. كلنا واحد في العذاب والمعاناة، ومسيحنا واحد.
يزعل كثير من المسيحيين لهذه الحرب الإعلامية الضروس بيننا وفرنجية. ومن بينهم رفاق لنا في الحزب. يسألون: لماذا تردّون على فرنجية؟ لماذا يحصل ذلك؟ لماذا تجعلون من فرنجية قضية بالرد عليه؟ هو سعيد لذلك لانه يبقى تحت دائرة الضوء، ما دام مستهدفا من أكبر الاحزاب المسيحية، أي "القوات اللبنانية"…
أسئلة كثيرة وعلامات أستفهام أكبر، حول أهمية الإعلام في بلد، كل شخص فيه وسيلة إعلام بحدّ ذاتها.
قد يكون مع المستفسرين حول هذا التجاذب، كلّ الحق. لكن أحيانا يصبح الصمت شيطانا أخرس. أكثر من أربع سنوات، تغاضت "القوات اللبنانية" عن اتهامات فرنجية، وكانت التعليمات المعطاة لنا واضحة: "مهما قال لا تردّوا عليه". لكن الأمور وصلت الى حدّ ما عاد مقبولا، ليس لناحية الإسفاف في التعاطي السياسي الذي يقوده فرنجيه، ولا حتى في التُهم الموجهة الى "القوات"، ومحاولة إقناع الرأي العام بأن بالخطر الذي يتهدده، هو بسبب "المجرم" سمير جعجع. إنما لأن "البيك" بدأ يستذوق اللعبة، ما دام يعرف مسبقا، أن لن يتعرّض له أحد لا إعلاميا ولا سياسيا، كما جرت العادة طيلة الفترة المذكورة. وبدأ يمعن في قلّة الأدب. والأخطر من ذلك، ونتيجة الصمت القواتي، بدأ انطباع سيء يسود في الأوساط الإعلامية والسياسية، وحتى بين بعض الرفاق، مفاده أن موقف "القوات" ضعيف تجاه فرنجية، ولا حجّة كافية لديها لمقارعته، أو للرد عليه كما تقتضي الحاجة، وبمستوى الهجوم الذي يتفرّد به فرنجية، لذلك تلوذ القوات بالصمت!!
مش هيك القصة يا شباب. لكن من كان في الموقع المسؤول، فعلا مسؤول، تختلف الحسابات عنده، عمن تصبح المسؤولية لديه زعامة زعران.
تاريخ المسيحيين ليس ألعوبة. دماء المسيحيين ليست زوادة نخزّنها الى حين تستفحل غريزة الانتقام، فنشربها مازة على مائدة السجالات السياسية.
لا مجزرة إهدن، ولا مجزرة القاع، ولا كل الشهداء المسيحيين الذين سقطوا، ولا أي سياسي أو زعيم أو مستزعم أو امبراطور… يستحق أن يموت من أجله الشهداء مرتين.
كان الأمر يستحق المحاولة، أي الصمت، من قبل "القوات اللبنانية"، كي لا تعمّق الجروح، وكي تلملم ذكريات الناس المسكونة بالألم. فكان أسلوب الكلمة التي تقرّب القلوب ولا تشلّعها. لم يفهم البيك عمق هذا الصمت. هذا طبيعي. فحمل السكين وذهب الى عمق الجرح مباشرة، وبدأ بالحفر، ونَبَش القبور، وفاحت رائحة الشرخ المسيحي، ولم يتوقف وما زال مستمرا.
كان لا بد من الكلام. فقالت "القوات" بعض من كلماتها، ولم تنته بعد، قبل أن توضح للمسيحيين وللرأي العام، الفرق بين أن نلبس عباءة الزعامة ونغرق القلوب بسواد الحقد، وبين أن نلبس المسيحية ولبنان القضية، ونجعل من زعامة الحق والحقيقة تاج الناس المقهورة.
يا بيك دخلت في دوامة الحقيقة، والدوامة تجرف معها كل شيء، خصوصا من كانت قصورهم من زجاج.
كان لا بد من الكلام، لأن الصمت تحوّل سلاح الضعفاء… ونحن لسنا كذلك.