لأن "القوات اللبنانية" تمارس السياسة بوصفها السبيل النبيل من أجل تحقيق مصالح اللبنانيين وازدهارهم. ولأن "القوات اللبنانية" قاومت 15 عاما في الحرب من أجل بقاء الدولة في لبنان سيّدة وحرة ومستقلة ومتنوعة وديموقراطية يوم ظن البعض ان "طريق القدس تمرّ في جونية".
ولأن "القوات اللبنانية" اتخذت قرار مقاومة السوري يوم اعتقد أن لبنان جزء من قطر بعثي يجب ضمّه أو أن في إمكانه أن يحكم بيروت من دمشق أو ريف دمشق أو من مقر استحدث يوما في عنجر.
ولأن سمير جعجع قاوم وصمد في أعتى الظروف والمواجهات، العسكرية منها والسياسية، ولم يستسلم حتى في زنزانة أرادوها نهاية سياسية وجسدية له، بعدما وضعوه فيها 4114 يوما مكبلا بأحكام سورية- عضومية.
ولأن السوريين أيقنوا أن لا عودة لهم الى لبنان لإدارته بأي شكل من الأشكال طالما أن "القوات اللبنانية" وسمير جعجع موجودان.
ولأن النائب ميشال عون فشل في أداء المطلوب منه منذ 20 عاما في إنهاء "القوات اللبنانية" وسمير جعجع رغم كل التسهيلات التي وضعت بين يديه وأهمها تسخير الإعلام، كل الإعلام الممكن تطويعه، لتصويره بطلا فتبيّن أنه مرسوم له أن يكون حصان طروادة… وفشل.
ولأن كل أبواق سوريا المعتادين والمعروفين: ميشال سماحة، ناصر قنديل، وئام وهاب، عاصم قانصو، فايز شكر، إميل رحمة، وتكر السبحة حتى لا ننسى أحد… وصولا الى جميل السيّد الذي، وبعد دقائق من خروجه من سجن رومية، عرف تماما أن المطلوب رأس جعجع لمحاولة التحكم من جديد بالقرار اللبناني فأطلق سهامه منذ اللحظة الأولى على سمير جعجع الذي بقي واقفا على رجليه رغم تهديدات السيّد في نيسان 1994.
لأن كل تلك المحاولات فشلت، كان لا بدّ من حصان طروادة جديد. وبطبيعة الحال المطلوب أن يكون مسيحيا، وبأقل كلفة ممكنة. هكذا وقع الاختيار على سليمان فرنجية لأنه الأقل كلفة بالنسبة الى السوريين. فهو لا يحتاج الى استقبال على السجاد الأحمر في الشام ولا الى تدشين كنسية في براد ولا الى طائرة رئاسية سورية تنقله، ولا صهر لديه مطلوب توزيره مهما كان الثمن، لا بل يقبل بوزارة دولة وبأقل منها حتى، مع التمني بأن يبقى اسمه مطروحا يوما ما في دوائر قصر المهاجرين بأنه قد يصلح لملء كرسي على شاكلة الرئيس السابق إميل لحود.
لذلك كان ممنوعا على سليمان فرنجية أن يذهب الى أي مصالحة مع "القوات" وسمير جعجع. فالمطلوب الإبقاء على ورقته حتى يحين أوان استعمالها. وسليمان فرنجية مطيع جدا للإرادة السورية. مستحيل أن يناقش أمرا سوريا. قال سابقا: "أتخلى عن أولادي ولا أتخلى عن الخط السوري". العمالة لسوريا عنده أمر بديهي لأن للسوريين عليه بالإرث دينا كبيرا. فالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أنقذ جدّه من حكم إعدام وأمّن له مرسوم عفو خاص وأعاده الى لبنان. والرئيس الراحل فرنجية ردّ الجميل الى السوريين فشقّ الجبهة اللبنانية عام 1977 وقسم المسيحيين وحاول ضرب مقاومتهم في وجه السوري، وافتعل كل الإشكالات الأمنية والدموية مع الكتائب اللبنانية يومذاك بعدما اتخذ قراره الشهير: ممنوع وجود أي كتائبي في مناطق الشمال. وتطوّرت الحوادث الدراماتيكية المعروفة…
تعلّم النائب سليمان فرنجية من جدّه إطاعة الأوامر والتعليمات السورية. تعلّم منه كيف يستقبل من كان يتهمهم بمجزرة إهدن مثل الراحل الياس حبيقة، الى التحالف مع مسؤولين عسكريين سابقين في "الكتائب" و"القوات اللبنانية" مثل النائب السابق نادر سكر الذي كان في قلب عملية إهدن، وصولا الى السعي للإفراج عن السجين حنا شليطا الذي اعترف فرنجية من برنامج "كلام الناس" قبل عام بأن الرئيس السابق إميل لحود سجنه لتطويق حبيقة ومنعه من الوصول الى رئاسة الجمهورية. كان ذلك نموذجا من القضاء السوري في لبنان الذي يتغنى فرنجية بأحكامه على سمير جعجع.
حين يكون مطلوبا مهاجمة البطريرك الماروني والكنيسة المارونية، نجد فرنجية مجندا صغيرا ينفذ التعليمات السورية.
وحين كان يطلب في الماضي القيام بحملة لتطويق الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان فرنجية يتطوّع مباشرة.
وحين طلب قبل أقل من عامين شن حملة سياسية على رئيس الجمهورية تبرّع سليمان فرنجية من دون مقابل.
أما مع الرئيس سعد الحريري فحدّث ولا خجل عن أفظع التوصيفات التي أطلقها فرنجية بحقه. وحين أراد السوريون إرسال رسائل إيجابية الى سعد الحريري حملها فرنجية أيضا بطيبة خاطر. فهو ينفذ تعليمات أسياده، والجميع يعرفون ولا أحد يعتب عليه عندما يهاجم، لأن رسائله عنوان مرسلها معروف في دمشق.
اليوم بكل اختصار مطلوب تطويق سمير جعجع. فشلت كل المحاولات وسقطت كل الرهانات على إبعاد تيار المستقبل عن "القوات اللبنانية" وفرط تحالف قوى 14 آذار بما يسمح باستفراد كل طرف فيها على حدة. لذلك المطلوب سوريا وبإلحاح مهاجمة سمير جعجع وافتعال كل المواجهات الممكنة معه.
وسليمان فرنجية لا مشكلة لديه على الإطلاق، فهو لا يملك أي مشروع سياسي غير تنفيذ التعليمات السورية والمفاخرة بالخط السوري. هو بنفسه اعترف لميشال عون بهذا الجميل عندما شرح ما أسماه أسباب "الهجمة الشرسة على ميشال عون" قبل أشهر. قال: "أسباب الهجمة أن ميشال عون أصبح رأس حربة في خطنا السياسي (أي الخط السوري في لبنان) وهو استطاع في 4 أعوام أن يحقق لخطنا ما عجزنا طوال أعوام طويلة أن نحققه أو نقنع الرأي العام المسيحي به".
هذا هو مشروع سليمان فرنجية السياسي: إنجاح الخط السوري في لبنان علنا ومن دون أي خجل بعمالته.
هذه هي استراتيجية السوريين التي ينفذها سليمان فرنجية.
ولكنّ جميع المؤمنين بسيادة وحرية واستقلال لبنان والرافضين لعودة زمن الاحتلال السوري ونظامه الامني اصبحوا مقتنعين الى النهاية بقرار مواجهته سياسيا الذي اتخذته "القوات اللبنانية" بقيادة الدكتور سمير جعجع.
تذكرنا يا حكيم بالرئيس الشهيد المؤسس الشيخ بشير الجميل حين كان يضطر الى مواجهة فرق عسكرية ترتدي زي الجيش اللبناني في السبعينات في أوائل الحرب اللبنانية. يومها قال في خطاب شهير له: لن نستحي بمواجهة من يرتدون "يونيفورم" عسكري لبناني لأنهم ينفذون سياسة سورية. ولذلك نحن مستعدون لمواجهة أي كان، ومهما كان نوع "اليونيفورم" العسكري الذي يرتديه طالما أنه ينفذ الإرادة السورية لأنه يصبح سوريا بالفعل ولو حمل هوية لبنانية أو ارتدى "يونيفورم" عسكري لبناني.
واليوم، وفي السياسة، قرارنا مواجهة أي كان، سواء حمل هوية لبنانية أو حتى مسيحية في الشكل، طالما أنه ينفذ السياسة السورية في لبنان الهادفة الى إضعاف الدولة وضرب أسسها وتطويق حاملي مشروع قيامها…
لكل هذه الأسباب قرّرنا في السياسة مواجهة سليمان فرنجية وعدم السكوت بعد اليوم عن ممارساته. فقدرنا أن نبقى مقاومة لبنانية للدفاع عن لبنان في السلم وبالسياسة كما كنا في الحرب، وأبواب الجحيم لن تقوى علينا.
