#adsense

طرفة الممانعة: النووي الإيراني قضية وطنية لبنانية!

حجم الخط

الفكر القومي العربي نشأ بالأساس على قاعدة التحسّس من دول الجوار
طرفة الممانعة: النووي الإيراني قضية وطنية لبنانية!

أسف النائب السابق إميل إميل لحّود، أو "إميل المحض" كما يمكن تسميته جرياً على عادة متبوعة في اللسان العربيّ، لـ"رؤية بعض الدول غير العربيّة أكثر حرصاً على قضايانا الوطنية من حكومتنا". هذه واحدة من طرائف خطاب الممانعة في لبنان: الدفاع عن البرنامج النووي الإيراني صار يحسب في عداد "قضايانا الوطنية".

الوجه الأوّل من هذه الطرفة أن الآباء المؤسّسين للقوميّة العربيّة الحديثة كانوا يتوقّعون كل شيء، إلا أن يصل حال الأمّة العربيّة في يوم من الأيام إلى وضع تقاس فيه وطنيّة شعوبها وقوميّة رابطتها على أساس الدفاع عن البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وعن النظام الأيديولوجيّ الميثولوجيّ الإيرانيّ.

نشأت العروبة الحديثة عند ساطع الحصري على أساس موقف سلبيّ من التدخّل الإيرانيّ في الشؤون العربيّة، بل على أساس إحياء تقاليد الصراع ضد الشعوبيّة، الأمر الذي طبع قوميّته بلوثة مذهبيّة في حال العراق. أمّا عند زكي الأرسوزي فكان الدافع إلى القوميّة سلخ لواء الإسكندرون. لاحقاً فقط سيظهر الدور التأسيسيّ لقضية فلسطين في تطوير الفكرة القوميّة العربيّة. في الأساس ولدت هذه الفكرة الحديثة بالضدّ من التقسيم الكولونياليّ لبلدان المشرق العربيّ أوّلاً، لكن على قاعدة التحسّس للنزعات الهيمنية والتوسّعية الآتية من الجوار غير العربيّ في الشرق والشمال، خصوصاً وأنّه جوار لم يتعرّض للمحنة الكولونياليّة التقسيميّة التي قاساها العرب إلا بشكل غير مباشر ومتقطّع.

أيّاً يكن من شيء، ما كان الحصري والأرسوزي ليحسبا أنّه سيأتي يوم نتحدّث فيه عن "عروبة تركو-إيرانيّة"، وأنّه سيأتي يوم يوضع فيه البرنامج النووي الإيراني في عداد "قضايانا الوطنية".

وهنا لا بأس من استطراد "سريع": كان الكلام ضدّ "الشعوبيّة" في حال الحصري، أو ضدّ "الآريّة" في حال الأرسوزي، كلاماً شوفينيّاً، مذهبياً في حال الأوّل وعرقيّاً في حال الثاني. إلا أنّ الفكرة القومية العربية الحديثة شيء، والممانعة شيء آخر تماماً. الممانعة ورثت أسوأ ما في الفكرة القوميّة (إحتقار العقلانية، تخوين الديموقراطية، تمجيد الزعيم ونفي الفرد)، إلا أنّها نأت بنفسها تماماً عن أفضل ما في هذه الفكرة (الإنتباه إلى أنّ المشكلة ليست مع الإستعمار الغربيّ فقط، وإنّما مع الدول غير العربيّة في المنطقة، والغرف من معين الفكر الغربيّ، سواء الفكر القوميّ الغربيّ أو الفكر الإستشراقيّ الغربيّ، والسعي إنطلاقاً من هذا الغرف لتطوير حلول بعضها طوباوي وبعضها عمليّ للعلاقة بالدين).

هذا عن الوجه الأوّل لطرفة إحتساب البرنامج النووي الإيراني في عداد المصالح الوطنية التي لم تراعها حكومة لبنان. إنّه الوجه الذي يستدعي المباينة بين الفكرة القومية العربية الحديثة وبين فكرة الممانعة التي انتهت إلى مزدوجة صفوية عثمانية متآخية.

الوجه الثاني للطرفة هو أنّه لو خرج علينا فريق سياسيّ لبنانيّ بتبن واضح للبرنامج النووي الإيراني كمصلحة للبنان، لوجب إعتبار ذلك تدخّلاً في شؤون لبنان، ولوجب إعتبار التصويت حول موضوع العقوبات على إيران في سياق التصويت مع أو ضد هذا التدخّل في شؤون لبنان، ولاستدعى الأمر حينها خروجاً للبنان عن "حياد" عن سياسة المحاور التزمه منذ الإستقلال ولم يتعرّض للإهتزاز إلا في سياق معقّد عام 1958، هو سياق ارتبط بـ"حلف بغداد" أو حلف "السنتو"، الذي كان يسعى لضمّ لبنان إليه، في مواجهة النفوذ السوفياتي في المنطقة. والمفارقة الأيديولوجية التي تسوّقها الممانعة، هو أنّ الدولتين الأساسيتين في "حلف بغداد" أو "السنتو"، أي إيران وتركيا، هما المتكفلتان بخوض المواجهة الإقليمية الحقيقية مع إسرائيل، وليس "المجموعة العربية"، وبالتالي فإن موقف لبنان من العقوبات على إيران ينبغي أن يتمثل بتركيا وليس بالمجموعة العربية.

والحق أن تركيا الحالية، بخلاف إيران، لا تسعى إلى التدخّل في شؤون الدول العربية، وإنّما تسعى لكي يكون لها نفوذ متعاظم في المنطقة، كما أن قضية فلسطين صارت مسألة داخلية في السياسة التركية، إذ صارت قضية تقي الإسلاميين الحاكمين من غضب العسكر، مثلما تحميهم قضية الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي. وتركيا هذه تقيس سياساتها بناء على مصالحها المشروعة كدولة أمة، منخرطة بالتمام في كل أجهزة ومستويات حلف شمال الأطلسي. وهي استطاعت أن تبني مع ايران علاقات ديبلوماسية واقتصادية حقيقية على أساس الندية والإحترام المتبادل وعدم التدخّل في شؤون الغير وامتناع كل دولة عن دعم النشاطات الإنفصالية لدى الثانية. من هنا يفهم تماماً رفض تركيا لمنطق العقوبات على إيران.

لا يمكن قول الشيء نفسه عن العالم العربيّ. بالأصل، سعد العالم العربيّ بالعلم التركيّ، لأن العلم الإيرانيّ ومتفرّعاته قد أتعبوه كثيراً. بخلاف تركيا، فلإيران مشكلة تدخل مع أكثر من بلد عربيّ. من العراق إلى اليمن إلى المغرب، ومن طنب الكبرى إلى "الرعد 3".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل