لا يملك الشعب اللبناني الكريم وعقيلته المصون يا إخوان، إلا الاختباء تحت لافتة التورية والتمويه للافتراض أن بلدنا بخير وأن دوره المركزي الركني المحوري في العالم، لا يُنازع ولا يُصارع ولا يُواجه.
وتبعاً لذلك الدور الجليل وبسببه، يمكن التطلع بهدوء وراحة بال واطمئنان الى المستقبل الآتي علينا، والافتراض أننا كدولة عظمى، صرنا بمنأى عن غدرات الزمان التي حوّلتنا الى ساحة مصارعة ومناتشة منذ ثلاثة عقود وأكثر.. وانتقلنا من هذه الوضعية الوضيعة، الى وضعية اللاعب الركن الذي لا تستقيم منظومة القيم والسلوك الحسن في عصبة الأمم إلا بإذنه ومتى قبل بذلك… دور كبير، جليل، رفيع المستوى وعالي الكعب من دون أدنى أو أعلى شك!
تلك هي (لو سمحتم) الخلاصة الوحيدة لكل الردح الذي صاحب ويصاحب الامتناع اللبناني في مجلس الأمن عن التصويت على العقوبات ضد إيران، خصوصاً وأن البعض ما رَضي لدولتنا إلا لعب دور لا يقلّ عن دور أي دولة عظمى مكتملة البنيان والأسس والهامة، وإلا رُمي بعض أهلها بماء النار والاتهام بالعار والشنار وبمساعدة الأعداء الأغيار على الفوز بالقرار.
بحرٌ لا شاطئ له. لا يخفت موجه العالي ولا يهدأ. وفيه من يريد ويصرّ على تحميل بلدنا من جديد وللمرة المليون، فوق طاقاته وإمكاناته وقدراته وحالاته، ويفعل ذلك بدأب دؤوب وسعي محموم، ومن دون أن ترفّ جفونه وتنسدل للراحة فوق العيون الوقحة.. غير أن كثيرين على أي حال، يأملون أن لا تطول السالفة هذه المرة، وأن تخفت بعد قليل من الآن مطولات الذم المعهودة التي بدأت تلعلع من قبل البعض في بلدنا حتى قبل أن يصدر قرار مجلس الأمن!
وللأمل المنشود هذا بعض المبررات، منها أن مندوب إيران في الأمم المتحدة شكر لبنان على موقفه، وبدا متفهماً له أكثر من المتحدثين بإسم بلاده وبالنيابة عنها في بيروت.
وبغض النظر عن مدى مصداقية ذلك الشكر (وما إذا كان مناقضاً لموقف آخر طُلب من لبنان في لبنان؟) فإن لذلك الأمل أيضاً بعض المبررات الأبعد مدى، منها على سبيل المثال وليس الحصر المحصور والمضغوط سؤال مركزي يُطرح بنيّة حسنة وببراءة أحسن وهو: لماذا صوّتت روسيا والصين لصالح العقوبات؟ كيف ذلك وموسكو تعتبر الأب المؤسس، المشارك، الباني للجزء الأكبر من المشروع النووي الإيراني، فيما بكين لا تترك فسحة متاحة من إفريقيا الى أميركا الجنوبية مروراً بآسيا وشرقها ووسطها وغربها إلا وتحاول استغلالها لتمييز موقفها عن موقف واشنطن؟
يُطرح السؤال كي يُقال بأدب واحتشام، أن تحميل لبنان وزر أخطاء كبيرة ومجلجلة سُجّلت في هذا الملف، هو جريمة كبرى مكتملة المواصفات لا تبرير لها، لا في الأخلاق ولا في السياسة، وإذا كانت قوى عظمى بعظمة الصين وروسيا زحطت من أمام "تفهّم" المسعى الإمبراطوري النووي الإيراني ولم تستوعبه ولم تهضمه، فكيف لبلد مهيض الجناح، مُكسّر الأضلع، مخلخل ومُشلّع مثل لبنان أن يُسأل عن موقف أخذه وما قَصَدَ منه إلا السترة، والسترة وحدها وليس أكثر.. يا رب العالمين يا الله!