رغم "الإخراج" الداخلي والملاحظات حيال مواقف لافتة
امـتـنـاع لبــنان عن التصـويت يمـرّ بـلا تبعـات
كيف ترى الديبلوماسية الغربية امتناع لبنان عن التصويت في مجلس الامن في قرار العقوبات الجديدة على ايران؟ وهل رد الفعل ايجابي او سلبي في ضوء التوقعات السابقة او بالاحرى الرغبات المعلنة للدول الغربية في اتجاه تأمين حصول اجماع بالتصويت مع قرار العقوبات؟
تفيد مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت ان الحصيلة النهائية التي انتهى اليها الموقف اللبناني الرسمي جيدة ومقبولة، ولا ترتّب على لبنان اي تبعات على نحو مختلف جدا عما كان سيؤول اليه الوضع لو انه صوّت ضد العقوبات، علما ان موقفي كل من البرازيل وتركيا المعارضين خففا وقع الموقف اللبناني الذي كان سيكون اكثر احراجا لو ان الاتفاق الثلاثي بين طهران والبرازيل وتركيا لم يحصل. لكن لا انعكاسات لموقف لبنان ولا حرب متوقعة، باعتبار ان قرار العقوبات كان البديل من اي قرار آخر وعبّر عن الرغبة في ذلك وفي ابقاء باب الحوار مفتوحا وتجدر الاشارة الى ان هذا الموقف يكتسب اهميته خصوصا بالنسبة الى الداخل اللبناني في ضوء مؤشرين على الاقل: احدهما الصحف التركية التي حملت على الموقف التركي الرسمي الذي عارض قرار العقوبات، وقد رأت هذه الصحف انه كان يجدر بتركيا ان تقتدي بالموقف اللبناني على نحو نقيض لما رغب فيه بعض المسؤولين اللبنانيين من خلال الدعوة الى الامتثال بتركيا في هذا الموضوع. والامر الآخر يتصل برد الفعل الذي ابداه الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد من حيث اعتباره ان هذه العقوبات ليس لها قيمة ويجب ان تلقى في سلة المهملات. فاذا كانت هذه العقوبات تافهة، بحسب الموقف الايراني الرسمي ومن دون قيمة، فكيف سيكون عليه الحال لو خاطر لبنان في موقف كان سيعرضه للحرج الكبير والضغط من دول يقيم معها علاقات وثيقة وتتطلع الى ان يشكل اجماعا في موقفه مع القرار الدولي؟
وبحسب هذه المصادر فان الموقف الممتنع للبنان كان مفيدا. اذ لا ينبغي اقله وفق نظرة غربية عامة لقرار العقوبات ان تكون الدولتان المسلمتان من حيث المبدأ، علما ان لبنان ليس كذلك لكنه يمثل الدول العربية ذات الغالبية المسلمة وربما ينظر اليه خارجا على انه كذلك، ضد قرار العقوبات، لان ذلك كان سيعطي انطباعا يمكن ان يوظف في غير محله من جهة مستفيدين على خط اللعب على وتر الصراع بين الشرق والغرب وبين الاديان التي تتمتع بالغالبية في الجانبين.
وبصرف النظر عن كون الاخراج المسرحي الداخلي للبنان كان موفقا ام لا، فإن هذه المصادر تساءلت عن جدوى التصويت ما دامت المواقف لم تكن ضد القرار او معه لكي يتم الفرز او الحكم على هذا الاساس، واستوقفتها ملاحظتان: الاولى هي موقف وزراء رئيس الجمهورية بحيث يمكن ان يؤخذ عليه حتى في معرض مراعاته التوازنات الداخلية تبني وجهة نظر طرف سياسي كان يعتقد ان الرئيس ميشال سليمان يحاذر الانزلاق اليه من موقعه الحريص على التوافق والوقوف في الوسط. وهذا الموقف بعد الموقف من المقاومة والذي يعتقد انه ذهب بعيدا فيه، لجهة مسايرة "حزب الله" ومغادرة موقعه التوافقي الوسطي، يعيد الى الواجهة احتمال تأثر مواقفه بسوريا. وهو امر غدا موضع متابعة منذ بعض الوقت. وتتساءل المصادر عن خلفية اخذ وزراء رئيس الجمهورية جانب فريق في التصويت ضد القرار، في حين انه لو اخذت الامور بحرفيتها وفي بعدها التقني وليس السياسي، فان ذلك يعني ان التصويت الرسمي بالامتناع عن التصويت جاء مخالفاً لرغبة رئيس الجمهورية، وان هذا القرار تجاوزه ولو انه حصل فعلا بموافقته الضمنية المسبقة. علما ان هذه المصادر كانت في اجواء ان لبنان اكثر ميلا الى الامتناع عن التصويت لدى مراجعة كبار المسؤولين او معاونيهم، في الوقت الذي كانت هذه الدول تضغط في اتجاه ان يصوّت لبنان مع القرار، وليس ان يمتنع او يعارض.
الموقف الآخر الذي استدعى التوقف عنده هو ذلك الذي ذهب اليه وزير الخارجية علي الشامي، ان في المذكرة الى السفير اللبناني الدائم لدى الامم المتحدة نواف سلام او في تصريحاته المعلنة، في حين ان الرأي الشخصي لأي وزير خارجية لا يعرض بهذه الطريقة العلنية، وما يظهر فقط هو ما يمثل الموقف الرسمي للحكومة بعيدا من موقف شخصي مغاير لاي فئة او شخص، وهو امر محرج جدا للبنان وينم عن التخبط على مستوى الاداء الرسمي وافتقار للتنسيق الداخلي خصوصا في مواقف تلزم لبنان امام الخارج. وهذا الامر الذي استنفر الديبلوماسيات الغربية في الايام الماضية لاستيضاح صحة الموقف اللبناني الرسمي وضرورة التنبه الى تداعياته على مستويات عدة في حال اعتمد موقف المعارضة لقرار العقوبات.
اما الاهتمام في المرحلة التالية فينصب على ما بعد القرار وسبل تنفيذه باعتبار ان الملاحق التي اتبع بها القرار تتضمن نقاطا يمكن ان تطول لبنان في شكل آخر، من بينها على سبيل المثال انشاء لجنة خبراء تتمتع بصلاحيات واسعة تشمل التدقيق والتحقيق داخل الدول التي يشك في امدادها ايران بالسلاح او تصدير ايران السلاح اليها. اضف الى ذلك البنود التي تطاول التعامل المصرفي والذي يعتقد انه له امتدادات ايضا في لبنان، علما ان هذه الامور ليست واضحة بعد كليا في سبل تنفيذ العقوبات التي اتخذت ضد طهران.