بات منفراً ومقززاً إصرار سليمان فرنجية وجماعته على "نَعْر" ذاكرة اللبنانيين بحديث لا طائل ولا جدوى منه، والمنفر أن جماعة فرنجية يلوكون الكلام عن "إجرام" القوات اللبنانية كأنهم يسعون إلى غسل دماغ السامع بالكلمة، وفي هذا تجاهل لذاكرة اللبنانيين، و"عن جد" قد يقولون لنا بعد قليل أن سمير جعجع ارتكب مجزرة مزيارة وفر إلى سورية وتسبب في خسارة شقيقه الرصين الراحل حميد فرنجية لطموحاته السياسية، ونكاد نقول لهم مسلة مرسوم قانون العفو الصادر بحق الرئيس سليمان فرنجية والرئيس رينيه معوض الذي افتتح به الرئيس فؤاد شهاب عهده يجعلهم يتخوفون من تاريخ الصادر بحقهم قانون عفو ومع هذا أصبحوا رؤساء للجمهورية!!
ما بات مقززاً للبنانيين هذا الإصرار على العبث بذاكرة الدماء متجاهلين أن لكل من خاض تواريخ الحرب في لبنان تاريخه، وكأن ذاكرة اللبنانيين مثلاً عاجزة عن استذكار حرب السنتين التي ما زالت الأحزاب المسيحية – قبل وجود القوات تُحمل وزرها – لم تكن تضم الرئيس سليمان فرنجية بين أعضاء الجبهة اللبنانية، ويتصرفون وكأنهم لم يشتبكوا مع طرابلس ولم يكن بين زغرتا وبينها ما كان بين سائر المناطق، ألم تبدأ الحرب الطائفية والخطف على الهوية والاضطراب الأمني من الشمال…
وما بات مقززاً للبنانيين محاولة رسم صورة "ملائكية" لسليمان فرنجية الحفيد، متوهمين ربما أن ذاكرة اللبنانيين نست تصريحاته "المقذعة" مثلاً بحق بطريرك الموارنة ولبنان، أليس هؤلاء هم جماعة: "أنت البطرك يا سليمان"، فكيف يحترم أو يصدّق اللبنانيون مَن تطاولوا على أعلى مقام روحي ورأس الكنيسة ليس في لبنان فقط، بل في إنطاكية وسائر المشرق، ومع هذا لم يهنأوا "ببطركة" زعيم بنشعي لأن ميشال عون "قشّطوا" رتبته المحلية ومنح مشرقيتها للجنرال بموجب توكيل شرعي من مرشد الجمهورية الإيرانية، وابتلعوها مرغمين فأسرار الصحف عام 2006 تناولت مطولاً أخبار حقيبة "الدولارات" التي حجزها الأمن العام اللبناني عند حدود المصنع وكانت حقائب الدولارات يومها تدخل لبنان مع "حج" كل مسؤول مسيحي مؤيد لحزب الله دعماً "لإقراره بأنه في ذمة الإمبراطورية الفارسية الجديدة"!!
"عن جدّ قرّفتونا السياسة"، فأكثر خطاب متدنٍ وممجوج وما أصاب اللبنانيين بحال احتقار لما يسمع لم يصدر إلا عن سليمان فرنجية، منذ حديثه الشهير أيام كان في وزارة الداخلية التي اغتيل تحت أنظارها الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد قليلٍ من تهديده بفتح محل "بينغو" في قريطم، إلى أيام سخريته بوقاحة شديدة من البطريرك مار نصر الله بطرس صفير من استقباله لأرامل وأمهات وبنات وأخوات الشهداء، وذلك التعبير "المشين" الذي أطلقه عبر شاشة المنار، والدولار يجعل بعض السياسيين يتنازلون عن كل براقع الحياء، فكيف الحال بمن لا يملكونها؟!
"قرّفتونا السياسة"، من أكياس الترابة في شكا إلى قوانين العفو، هذا الإصرار على جعل اللبنانيين لا يرتاحون، وهذا الاستمرار المتمادي في فتح الأوراق "على الكيف"، و"كيف ما ركبت عوجا"، بات مسخرة المساخر السياسية، أحياناً نتساءل: ما الذي قدمه سليمان فرنجية للمسيحيين سوى إسماعهم معجم مفرداته البذيئة، وتقديم نفسه زعيماً لهم على طريقة "قبضاي شارع من أدنى المستويات"؟!
"قرّفتونا المجازر"، على الرغم من أن هناك الكثير الذي يستدعي في "حزيراني" الشمال الحزين، حزيران مزيارة والقتل في الكنيسة، والذي مر ربع قرن ويزيد ليدرك حزيران مزيارة حزيران إهدن، وما يستدعي هذا التململ اللبناني من حديث المجازر أنها لا تُحصى في تاريخ الحرب اللبنانية، وأن وريث مجزرة إهدن وأحقادها كان حليفاً لإيلي حبيقة قائد الوحدات المركزية الكتائبية، والـ450 عنصراً كتائبياً الذين فرزوا لتنفيذها، وكان بينهم سمير جعجع الذي لم يحضر سوق القتل الإهدني ولم يشترِ ولم يبع فيه بعد إصابته قبل مئة متر من موقع القصر، وما هو أغرب من الخيال أن يحالف سليمان فرنجية طويلاً إيلي حبيقة، وأن "يتباوس" مع نديم بشير الجميّل، "الولدان"، ابن القتيل، وابن الذي أمر بالقتل، ومع هذا يصرّ سليمان فرنجية وجماعته على قذف "قانون العفو" في وجوه اللبنانيين، مع أن فضلهم سابق في مجزرة مزيارة، وفي اختراع أول قانون عفو في تاريخ السياسة اللبنانية، "عن جد… قرفتونا السياسة" والزعامات السياسية الموروثة والمبهبطة على أصحابها"!!