#adsense

الامتناع عن التصويت الذي انقذ لبنان الدولة السيدة

حجم الخط

حسنا فعل لبنان الرسمي في الامتناع عن التصويت في مجلس الامن بموضوع العقوبات الدولية على الجمهورية الاسلامية الايرانية بشأن ملفها النووي – هذا التصويت استرد ولو جزئيا او رمزيا شيئا ما من هيبة دولة لبنانية سيدة في قراراتها تتخذ المواقف التي تعبر عن مصالحها العليا الدولية وليس فقط عن مصالح فريق من اللبنانيين على حساب سيادة واستقلال الدولة اللبنانية.
بعبارة اوضح نرى ان الامتناع عن التصويت جنب لبنان 3 مازق، وهي:

المأزق العربي – العربي: اذ في ظل الانقسامات العربية حيال الرؤية العربية تجاه الملف النووي الايراني بين مؤيد (سوريا ) ومعارض (السعودية ومصر والاردن …) لم يكن بامكان لبنان الممثل للمجموعة العربية في مجلس الامن الا ان يحفظ ماء وجه القرار العربي باقل كلفة متمثلة بالامتناع عن التصويت – ما اعطى لكلا الطرفين ما ارادوه: فالامتناع صب في مصلحة ايران بدليل الشكر الرسمي الايراني للوفد اللبناني موقفه – وصب في الوقت نفسه لمصلحة المجموعة العربية الرافضة للخطوات الايرانية النووية والمتوجسة منها.

المأزق اللبناني – اللبناني: اذ في ظل الانقسامات الداخلية حيال الدور الايراني في لبنان المنحاذ واقعيا الى جانب المقاومة وتحديدا "حزب الله" وقوى "8 اذار" – في مواجهة قسم كبير من اللبنانيين السياديين المملثين في قوى "14 اذار" وحلفائها – جاء الامتناع عن التصويت ليعبر بصدق عن عدم موافقة قسم من لبنان على سياسة الجمهورية الايرانية الاسلامية في موضوع التعاطي مع لبنان الدولة والشعب والمؤسسات. فالدولة الايرانية وان كان لها تمثيل ديبلوماسي رسمي مع لبنان – وان كانت تتبادل العلاقات الثنائية رسميا بين دولة ودولة وفقا لمعايير العلاقات الدولية – الا ان السياسة الايرانية الفعلية تجاه لبنان تسير باتجاه تدخل مباشر في الشؤون ىاللبنانية من خارج القنوات والاعراف والمبادىء الدولية في التعاطي بين الدول والدليل دعمها المعلن ماديا وعسكريا ولوجستيا لـ"حزب الله" وحركة المقاومة باعتراف مسؤولي المقاومة ومصادرهم الرسمية غداة التصويت في مجلس الامن – حيث عبروا عن امتعاضهم من عدم التصويت الى جانب ايران ورفض العقوبات .

وبالتالي ان الامتناع الرسمي اللبناني عن التصويت جاء ليؤكد ويثبت لمن لا يريد الاقتناع الى الان ان الدور الايراني والسياسة الايرانية في لبنان ليسا محط اجماع او تأييد لبناني جامع – فضلا عن ان استمرار ايران في عمليات تخصيب اليورانيوم وبناء المفاعلات يذهب باتجاه معاكس للقناعة العربية الجامعة بوجوب تجريد الشرق الاوسط من السلاح النووي – سيما وان المجموعة العربية لطالما دعت الى جعل الشرق الاوسط منطقة منزوعة السلاح النووي ومطالبة اسرائيل بنزع سلاحها – فليس من المنطق في شيء ان تدعو المجموعة الى شيء وتمارس نقيضه بتأييد ايران وسياساتها النووية.

فالامتناع الرسمي اللبناني عن التصويت في مجلس الامن اوصل الى الداخل اللبناني رسالة واضحة مفادها ان تأييد ايران في سياساتها النووية ما دونه صعوبات اولها يتمثل في الموقف الايراني من الملف اللبناني الداخلي وانحياز ايران الى قسم من اللبنانيين ضد القسم الاخر رغم المواقف الديبلوماسية الاعلامية التي تصدر بين الحين والاخر عن السفير الايراني في لبنان بشأن وقوف طهران على مسافة متساوية من كل اللبنانيين ( تماما كما السياسة السورية التي لطالما كانت تعلن وقوفها على مسافة متساوية من كل اللبنانيين بينما في الواقع والحقيقة تقف الى جانب فريق ضد الفريق الاخر ولا تزال).

المأزق اللبناني – الغربي: لبنان بأمس الحاجة حاليا الى دعم المجموعة الغربية والقوى العظمى على صعيدين: تعزيز الوجود الدولي في الجنوب لحماية القرار 1701 من تداعيات اي صراع عسكري قد ينشأ في المنطقة مستقبلا – ودعم الغرب والولايات المتحدة الاميركية لتحييد لبنان من اي تداعيات مدمرة عليه من جراء اندلاع اي صراع عسكري او تهديد عسكري اقليمي – وهي الحملة التي تولاها بصورة خاصة وبنشاط مثالي رئيس الحكومة سعد الحريري منذ اكثر من شهر عبر زياراته عواصم القرار والاتصالات والتشاور المستمرين بين العواصم والقوى الاقليمية والعربية والدولية .
فامتناع لبنان ترجم قانونيا وسياسيا موقف لبنان المحايد من الاصطفاف العالمي حيال الملف النووي واعطى الغرب والولايات المتحدة موقفا لبنانيا غير معرقل للقرار الدولي بفرض العقوبات – وفي الوقت عينه لم يصب في خانة رفض العقوبات ضد ايران – ما يعني ان الامتناع انقذ لبنان من مأزق كبير وكانت الديبلوماسية اللبنانية بالامس بالفعل "ديبلوماسية تجنب الالغام" وقد نجح لبنان في الاختبار.

اما العبر من الذي حصل فنستخلص ما يأتي:

اولا: افهام ايران بان لبنان لا يستطيع ان يكون جزءا في محور اقليمي لمواجهة العالم لصالح سياسات المحور الايراني – السوري – لان دون ذلك الاصطفاف اللبناني عقبات واستحالات ليس اقلها غياب الاجماع اللبناني الداخلي ومن ضمن المؤسسات الدستورية والسياسية على ايران وسياساتها في لبنان – كما ان اي موقف لبناني داعم لايران يجب ان يترافق مع سلة من المكاسب او الضمانات التي من حق لبنان ان يطلبها في مقابل موقفه الداعم لطهران. فالدعم لم يكن ليحصل مجانا دون مقابل ايراني ذات علاقة بمراعاة الوضع اللبناني والخصوصية اللبنانية، وبالتالي مصالح الدولة اللبنانية العليا.

ثانيا: افهام قوى "8 اذار" وبخاصة "حزب الله" والرئيس بري – بان للتساهل والتوافق حدود – لا يمكن بعد اليوم استعمالهما مطية لتمرير سياسات قسم من اللبنانيين على حساب القسم الاخر وسيادة لبنان ومصالحه العليا. فليست مصالح لبنان هي فقط ما تشخصها له قوى "8 اذار" – وليس صالح لبنان ما تفرضه عليه قوى "المقاومجية" وتحالفات "المقاومجية" ومنطق "المقاومجية" – فلا احد اكثر لبنانية من احد ولا احد افضل من احد في حرصه وتعلقه بلبنان – وبالتالي لا يكفي ان تكون ايران الى جانب فريق لبناني كي تعتبر ايران الى جانب كل لبنان ما لم تغير ايران نهجها وتثبت بالفعل وقوفها على مسافة من كل اللبنانيين.

ثالثا: لاغنى للبنان عن سياسته العربية وعن دعمها وتأييدها له مهما حاولوا في "8 اذار" ومحور المواجهة الاقليمية العمل على فصل لبنان عن هويته والتزاماته العربية – وبالتالي فان التزام لبنان الرسمي العربي غير قابل لاي تعديل او تراجع مهما حاولوا تزوير التاريخ والحقائق وتصوير منطلقات ومواطن العروبة ومراجعها حيث يريدون هم تلبية لمصالحهم الذاتية .

فالامتناع اللبناني الرسمي عن التصويت جاء ليسجل علامة فارقة في مسيرة الوضع اللبناني الداخلي – علامة فرملة "للاجتياح " السياسي "المقاومجي" فكرا ونهجا وسيطرة على الدولة والمشهد اللبناني الداخلي وطغيانا لارادات منفردة ومتفردة بالسلاح والقرار على حساب الوطن والسيادة وهيبة الدولة …

انه وميض من نور في افق استعادة الدولة سيادتها وتحديد مصالحها بنفسها … وانتزاع للتكليف الشرعي بتحديد ما هي مصالح لبنان …

بالامس سار لبنان في مجلس الامن في حقل الغام خطيرة … ولكنه نجح في تجنبها كلها لحساب مصالحه العليا … فعلّ ان يتكرر الامر دائماً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل