#adsense

التصويت في مجلس الوزراء بات في حاجة إلى نظام

حجم الخط

لئلا يواجه لبنان أزمات في الداخل ومع الخارج
التصويت في مجلس الوزراء بات في حاجة إلى نظام

ترى أوساط سياسية وقانونية أن التصويت في مجلس الوزراء بات في حاجة الى وضع نظام بعدما اصبح هذا التصويت يحدث احيانا ازمة وزارية إن لم تكن أزمة حكم تُدخل البلاد في المجهول، أو يصوّر طرفاً غالباً وطرفاً مغلوباً.

لقد كان من حق رئيس الجمهورية، بموجب الدستور القديم، أن يصوّت في مجلس الوزراء حسماً لخلاف بين اعضاء الحكومة او ترجيح كفة على كفة، لكن دستور الطائف حرمه هذا الحق بحجة الحرص على ابقاء رئيس الجمهورية على الحياد وخارج الصراعات والتجاذبات داخل الحكومة وخارجها، ولكي تبقى له صفة الرئيس الحيادي والتوافقي الذي يتدخل للتقريب بين وجهات النظر المختلفة حول المواضيع المطروحة توصلاً الى تحقيق الوفاق والاجماع حولها، وبعدما تبين ان مشاركة رئيس الجمهورية في التصويت تجعله طرفاً ويُتهم بالانحياز مع جهة ضد جهة اخرى وخصوصا عندما يكون الموضوع المطروح مهماً ودقيقاً وحساساً. وهو ما حصل غير مرة في الماضي عند طرح مشاريع قوانين على التصويت او عند اجراء تعيينات لوظائف الفئة الاولى في الاسلاك الادارية والامنية والعسكرية والديبلوماسية والقضائية، فلم يبق بمنأى عن حملات سياسية وإعلامية وشعبية.

ويذكر، على سبيل المثال لا الحصر، ان الرئيس شارل حلو امتنع عن التصويت في مجلس الوزراء عندما تعادلت اصوات الوزراء لدى طرح موضوع دخول اول دفعة من المسلحين الفلسطينيين الى منطقة العرقوب، اذ صوّت الوزيران بيار الجميل وريمون اده مع اخراجهم من المنطقة بكل الوسائل المتاحة، في حين صوّت رئيس الحكومة عبد الله اليافي والوزير حسين العويني ضد اخراجهم لئلا يؤدي ذلك الى فتنة داخلية. فما كان من الرئيس شارل حلو حيال هذا الانقسام السياسي والطائفي سوى الامتناع عن التصويت، وقد تعرض للانتقاد الشديد بسبب موقفه هذا اي موقف الحياد بين الطرفين وحُمِّل في ما بعد مسؤولية انتشار الفلسطينيين في معظم المناطق اللبنانية، وكان لهذا الانتشار ما كان من تداعيات وويلات تأتت عن حروب داخلية طويلة، مع ان ثمة من دافع عن موقف الرئيس حلو ورأى فيه موقفا حكيماً جنّب لبنان فتنة بين مسلمين متعاطفين مع الفلسطينيين ومسيحيين مناهضين لهم.

وكان التصويت مشكلة في مجلس الوزراء في عهد الرئيس الياس الهراوي عندما طرح مشروع الزواج المدني الاختياري، فصوتت الاكثرية مع المشروع والاقلية عارضت، وكان منها رئيس الحكومة رفيق الحريري حينذاك، ليس لاعتبارات سياسية إنما تجاوبا منه مع مواقف رافضة صادرة عن مراجع دينية اسلامية اضطرته الى الامتناع عن توقيع مرسوم بذلك تمهيداً لاحالته على مجلس النواب، فظل نائماً في الادراج.

وفي عهد الرئيس اميل لحود، كان الرئيس الحريري، مسايرة منه تارة لسوريا الوصية على لبنان وطورا لرئيس الجمهورية بالذات، وحرصاً على حسن العلاقة معه، يتجنب احيانا طرح المشاريع حتى المهمة منها على التصويت في مجلس الوزراء كي لا تفسر نتيجة هذا التصويت بأنها انتصار طرف على آخر من شأنه ان يوتر الاجواء ويعكر العلاقات، فتبقى هذه المشاريع معلقة الى ان يساعد الوقت على التوصل الى توافق حولها برغم ان الدستور نص في مادته الـ65 بوضوح على أن القرارات في مجلس الوزراء تتخذ توافقيا، فإذا تعذر ذلك فبتصويت اكثرية الحضور. اما المواضيع الاساسية، فانها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها وعددها 14.

ورغم ان كيفية التصويت نص عليها الدستور في مادته الـ65، فان رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومة كانوا يتجنبون احيانا تطبيقها اذا كانت للتصويت ذيول وتداعيات سياسية.

وباتت المادة 65 من الدستور في عهد الرئيس ميشال سليمان شبه معلقة بعدما اصبح النظام التوافقي هو الطاغي على النظام الديموقراطي الذي يعيش في ظل التكتلات الوطنية وليس في ظل الحركات والتكتلات الطائفية او المذهبية. وعندما طرح الرئيس سليمان على التصويت، تطبيقا لهذه المادة بغية الخروج من ازمة، دفعة من التعيينات الادارية قامت قيامة البعض عليه واتهمته باعتماد الخدعة…

وفي جلسة مجلس الوزراء الاخيرة طرح على التصويت موضوع العقوبات على ايران فجاءت النتيجة متعادلة (14 مقابل 14)، وهذا نادرا ما يحصل بحيث ذهب البعض في تفسير ذلك بانه تصويت مدروس… يرضي المجتمع الدولي من جهة ولا يغضب ايران من جهة اخرى.

والسؤال المطروح هو: كيف الخروج من المأزق عند حصول معادلة في التصويت وعندما يكون الموضوع المطروح مهماً ويحتاج الى حسم كما كان موضوع دخول فلسطينيين مسلحين الى العرقوب، فأدى عدم اتخاذ قرار بامتناع رئيس الجمهورية عن التصويت، وكان صوته هو المرجح، ولو ان القرار بشأن العقوبات على ايران كان مطلوباً حسمه ولا يكون الامتناع عن التصويت هو الحل، ما الذي كان سيحل بالحكومة؟ وما العمل اذا واجه لبنان مستقبلاً طلب اتخاذ قرارات مهمة وانقسم مجلس الوزراء حولها بين اكثرية واقلية، او تعادلت الاصوات، هل ينبغي تأجيل اتخاذها الى ان يحصل توافق عليها، وكانت هذه القرارات لا تتحمل التأجيل؟ واذا كان المجتمع الدولي وايران قد تفهما موقف لبنان من العقوبات بامتناعه عن التصويت، وتفهم ذلك ايضا السياسيون في لبنان على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، فما العمل اذا واجه لبنان طلب اتخاذ قرارات قد ترضي طرفا ولا ترضي طرفا آخر في الداخل والخارج؟

لذلك ترى الاوساط نفسها ان يصير منذ الآن اتفاق على التصويت في مجلس الوزراء خصوصا اذا كانت لنتائج هذا التصويت تداعيات داخلية وخارجية، لأنه لا يمكن كل مرة حصول تعادل يبرر عدم اتخاذ قرار حتى لو كان اتخاذه ضرورياً مثل الحرب والسلم واعلان حال الطوارئ وحل مجلس النواب واقالة الوزراء. هل يمكن الاتفاق على ان يمتنع لبنان عن التصويت سواء في مجلس الامن او في الجامعة العربية عندما يكون خلاف على المشروع المطروح، ولا يصوت إلا عندما يكون اتفاق، اذ ليس سوى موقف الحياد هو الذي يحميه من عواقب الصراعات والتجاذبات بين المختلفين؟ وهل يمكن الاتفاق على المواضيع التي تحسم بتصويت الاكثرية المطلقة او العادية وتلك التي تحتاج الموافقة عليها الى اكثرية الثلثين او اكثر، من دون ان يشكل ذلك خلافا يستعصي حله عند تأليف الحكومات وتوزيع الحصص على القوى السياسية الاساسية تحسبا للتصويت؟

وهل ينبغي اعطاء رئيس الجمهورية حق التصويت ما دام له وزراء في الحكومة يصوتون ويكشفون موقفه؟
انه موضوع يحتاج الى درس معمق منذ الآن تجنباً لمواجهة ازمات في الداخل ومع الخارج.

المصدر:
النهار

خبر عاجل