Site icon Lebanese Forces Official Website

أستانة عبدالمجيد في اسطنبول أردوغان! [1]

بداية حكاية: عام 1856، وفيما كانت حرب القرم مندلعة بين روسيا القيصرية من جهة وتركيا والى جانبها تحالف فرنسي – بريطاني من جهة اخرى، نادت الامبراطورية العثمانية الى الجهاد لصد القوات الروسية التي كانت تتطلع الى احتلال ارجاء واسعة من شرق الاناضول، يومذاك لبى النداء اعيان كثر من انحاء الامبراطورية، بينهم احد الاعيان الدروز في الشوف الذي جمع بضع مئات من المقاتلين الدروز وسلّحهم على نفقته، ثم توجه على رأس القوة من جبال لبنان الى مدينة قارص في اقاصي شرق الاناضول والتي تقع اليوم في الاراضي التركية، وهي تلامس حدود جمهورية ارمينيا التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. شاركت القوة الدرزية في معركة الدفاع عن مدينة قارص، ثم عن قلعتها، باعتبارها بوابة الامبراطورية الشرقية الاساسية، واستماتت حامية قارص العثمانية المتنوعة في دفاعها اشهراً عدة، وواجهت حصارا خانقا عزلها عن بقية ارجاء الامبراطورية، ولم يفلح الروس في احتلال القلعة التي عانت العطش والجوع وصمدت. ولم ينل من الحامية سوى داء الطاعون الذي فتك بمعظم افرادها فاستسلمت بعدما فاوضت على اخلاء جميع افرادها الاحياء وبينهم الجرحى. وعادت الى العاصمة الأستانة (اسطنبول) فدخلتها في عرض عسكري مهيب، وقابلت السلطان عبد المجيد الذي قلد قادتها وافرادها نياشين. وكان قائد القوة الدرزية ورجاله بينهم. معظمهم عاد الى الجبل، اما قائدهم وقد جرح في قارص، فأكمل رحلة الدفاع عن الامبراطورية العثمانية في موقعات اخرى الى ان انتهت حرب القرم بهزيمة روسيا القيصرية، فعاد الى جبله ومعه زوجة (خانم) كانت ارملة احد اعيان مدينة قارص الذين سقطوا في تلك الحرب… وما زال احفاد القائد الدرزي يرفعون في دورهم الى يومنا هذا صورا ولوحات لجدهم المكلل بالنياشين العثمانية والفرنسية والبريطانية العائدة الى تلك الحقبة…

لماذا هذه الحكاية؟ الحقيقة اني تذكرتها وانا استمع الى وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو يتحدث اول من امس في افتتاح اعمال "الملتقى الاقتصادي التركي – العربي الخامس" الذي انعقد على ضفاف البوسفور في اسطنبول وينظمه زملاؤنا في مجموعة "الاقتصاد والاعمال" بنجاح مطّرد. تحدث داود اوغلو، منظِّر السياسة الخارجية التركية، عن حدود تركيا الديبلوماسية والاقتصادية، وبمعنى آخر رسم في كلمته خريطة الطموحات التركية المبنية على الديبلوماسية وسياسة "صفر ازمات"، فقال: "اننا نطمح الى ان ينطلق مواطنونا بلا عراقيل من قارص في الشرق الى موريتانيا والمغرب على المحيط الاطلسي"، واشار الى ان تركيا ستتعامل مع كل المشاكل والازمات التي تنشأ في المنطقة على اعتبار ان تركيا اليوم تنظر الى هذا المدى الجغرافي على انه "مجال استراتيجي واحد"… اتى هذا الكلام في حضور وزراء خارجية 17 دولة عربية شاركوا على هامش الملتقى في الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية تركيا والدول العربية الذي عقد هنا ايضا، وقد أشار في هذه المرحلة الحبلى بالاحداث والتحولات السياسية العميقة التي شهدتها المنطقة في السنوات الخمس الاخيرة، واهمها على الاطلاق التحول في مسار تركيا التي خرجت من عزلة عن المنطقة في بعدها العربي، الى وضعية الشريك الرئيسي والمتدخل في شؤونها، كبيرها وصغيرها. وقد اتمت ازمة "اسطول الحرية" استدارة تركيا الاستراتيجية في المنطقة لتحصد مكانة "بريستيج" في العالم العربي بحيث لم يعد نادرا ان يسمع المراقب هنا كلاماً عربياً عن عودة الامبراطورية العثمانية.

بطبيعة الحال، كان للاعلان عن تأسيس مجلس تعاون استراتيجي رباعي يضم تركيا ودول المشرق العربي سوريا الاردن ولبنان، وقْعٌ كبير، حيث ان دخول العنصر التركي في العلاقات القائمة بين الدول العربية الثلاث المشار اليها يوسع آفاق علاقاتها الاصلية، ويزيل الكثير من التحسس التاريخي المتبادل بينها. ودخول العنصر التركي ليس مسألة صغيرة لا سيما لجهة الحجم الديموغرافي، والاقتصادي، والعسكري الاستراتيجي، والديبلوماسي بعدما صارت شريكا مع "عملاق اميركا اللاتينية" البرازيل في اتفاق طهران لتبادل الوقود النووي الايراني. وتتعاظم اهمية الدور التركي حتى بعد اغراق الاتفاق الثلاثي في قرار العقوبات المتشدد على ايران الذي جرى التصويت عليه في مجلس الامن قبل ايام.

تركيا تتحدث اليوم عن هدف التكامل الاقتصادي مع العالم العربي خلال 15 سنة. وتتحدث في الجغرافيا بلسان وزير خارجيتها بلغة "نيو – عثمانية"… كل هذا في زمن تتعرض فيه "الامبراطورية" الاقليمية الاخرى، ايران، لحصار دولي يتعاظم أكثر فأكثر. والحال ان تركيا تقدم النموذج الاقتصادي والسياسي – الدبلوماسي ممزوجين باللعب على المشاعر الدينية التي تجمعها بالغالبية السنية في العالم العربي، وهي اكتشفت من المسار الايراني كم هو مربح القفز على الصراع العربي – الاسرائيلي في بعده الفلسطيني الذي يمثل العنوان الجامع لمشاعر الاحباط العربي والاسلامي. ولكنها خلافا للمسار الايراني الذي قام على اختراق المجتمعات العربية بشكل عنيف وفتنوي، وأسّس لقيام "شرعيات" موازية للشرعيات الرسمية مهمتها مقاتلتها وتجويفها من الداخل، تقوم بتقديم صورة القوة الاقليمية الايجابية التي تنتهج اسلوبا ومسارات مستوحاة من التجربة الاوروبية.

ماذا يعني قول رجب طيب اردوغان: قبل 1922 كانت المنطقة واحدة؟ وما هي رمزية العودة الى الجغرافيا والثقافة والحضارة المشتركة بين تركيا والعرب؟

Exit mobile version