#adsense

تفاعلات الامتناع اللبناني لا تتجاوز عرض القوى الداخلي

حجم الخط

سوريا لم تنزعج وتركيا والبرازيل حسمتا موقفيهما في الدقائق العشر الأخيرة
تفاعلات الامتناع اللبناني لا تتجاوز عرض القوى الداخلي

تحمل ردود الفعل التي يبديها سياسيون على امتناع لبنان عن التصويت في مجلس الامن على قرار العقوبات على طهران اكثر مما يحتمل هذا الموضوع، ولو كان ذلك في معرض المزايدات الداخلية ليس الا. فالاصداء التي وصلت الى المسؤولين اللبنانيين من ثلاث جهات اقليمية معنية على الاقل كانت ايجابية ازاء الموقف اللبناني. والواقع ان سوريا لم تكن مستاءة على الاطلاق من موقف لبنان في مجلس الامن، بل كانت راضية عنه، كما لم تضغط في اي شكل في اتجاه ان يصوت لبنان ضد القرار. ورد فعل ايران على موقف لبنان كان ايجابيا ايضا، وهو تلقى التهنئة من مندوب ايران في مجلس الامن على موقفه. والامر نفسه ينسحب على تركيا التي ابلغ قادتها لبنان احترام قراره وعدم انزعاجهم منه.

وتفيد معلومات ديبلوماسية موثوق بها كان اصحابها على اطلاع عن كثب وفي اتصالات مباشرة بكل من وزيري خارجية تركيا والبرازيل قبيل انعقاد الجلسة، ان ايا من البلدين لم يكن قد حسم امره حتى قبل عشر دقائق من انعقاد جلسة مجلس الامن، بل ان تركيا في الدرجة الاولى كانت مع قرار الامتناع عن التصويت وكذلك الامر بالنسبة الى البرازيل قبل ان يقرر البلدان في اللحظات الاخيرة، مراعاة لاتفاق مع طهران شاركا في رعايته حول تخصيب الاورانيوم، ان يصوتا ضد قرار العقوبات، علما ان موقفيهما اتسما بالكثير من التذبذب قبل انعقاد الجلسة في مجلس الامن، وحتى الدقيقة الخامسة والعشرين من موعد التئامها كان موقف تركيا هو الامتناع عن التصويت.

ولذلك يغلب الاعتقاد ان ردود الفعل على الموقف الرسمي للبنان تعبّر عن موقف داخلي لعرض القوة على هذا المستوى في ظل تجاهل لمجموعة امور من بينها:

– ان تصويت لبنان ضد القرار او امتناعه هما في مرتبة واحدة من حيث عدم فاعلية هذا التصويت في التغيير ما دام لبنان عضوا غير دائم في مجلس الامن. وهو ويحمل اكثر من طاقته في هذا الاطار متى اخذ في الاعتبار تصويت سوريا مثلا على القرار1441 في 8 تشرين الثاني 2002 حين كانت عضوا غير دائم في مجلس الامن عامي 2002 و2003، وكان القرار موجها نحو الزام العراق وقف التسلح في مجال ما سمي اسلحة الدمار الشامل والتزامها قرارات وكالة الطاقة الذرية والسماح لمفتشي الوكالة بزيارة العراق اضافة الى التزام العراق، القرارات الدولية المعتمدة منذ حرب الخليج عام 1991. وأدّى التصويت السوري يومها الى ضمان الاجماع الدولي لهذا القرار، فيما كان متوقعا ان تمتنع سوريا عن التصويت لأنها كانت العضو العربي الوحيد في المجلس علما ان هذا الامتناع، لو حصل، ما كان ليغيّر نتيجة هذا التصويت، لكنه كان سيعبر عن عدم الموافقة. كما ان عضوية ليبيا في مجلس الامن قبل عضوية لبنان لم تحل دون مشاركتها في قرارات ضد دول عربية، ايا تكن طبيعة هذه القرارات.

– ان الامتناع عن التصويت ليس وقوفا على الحياد في ضوء ما شرحه مندوب لبنان في الامم المتحدة السفير نواف سلام، علما ان كثرا رأوا ان الموقف الداخلي ساهم في ارباكه في مجموعة نقاط اثارها سلام في كلمته في حال تم التوقف عند حرفيتها. اذ ان القول ان الحكومة اللبنانية لم تتوصل الى قرار بناء على ما ابلغه وزير الخارجية الى السفير سلام، من شأنه ان يحرج لبنان عملياً، باعتبار ان الحكومة اللبنانية لا ينبغي ان تنتظر آخر دقيقة او التئام مجلس الامن، علماً ان الكثير من المتغيرات في الموقف تؤخذ في اللحظات الاخيرة، وهذا الامر يمكن ان يتم على اعلى المستويات. لكن لا يعتقد ان الدول يمكن ان تتوقف عند التفاصيل اللبنانية المعروفة من جميع المهتمين، بل يهمها الموقف النهائي. والامتناع عمليا وفقا للتفسير الذي اعطي، يعني المعارضة، اذ لو أن اي بلد يوافق على اي قرار فهو يصوت معه ولا يمتنع او يصوت ضد. والتصويت في مجلس الوزراء وفق النتيجة التي آل اليها اعتبره رئيس الجمهورية ميشال سليمان وفق ما نقل عنه زوّاره نجاحا من حيث عدم شعور اي طرف بانه مغلوب على امره او مهزوم، فلا قوى 8 آذار الداعمة لايران شعرت بأنها اقلية، ولا الاكثرية يمكنها القول انها حصلت على الاكثرية، في حين ان التعادل في التصويت يؤدي الى الامتناع حتى من دون اتخاذ قرار واضح بالامتناع. بل ان نتيجة التصويت حملت رئيس الجمهورية على اعتبارها تؤدي حتما الى الامتناع فيما تبرز المعادلة الداخلية ان الكل ربح.

– ان معارضة لبنان للقرار لم تكن لتقدم او تؤخر في نتيجة التصويت، علما ان امامه ثلاثة احتمالات، هي التصويت مع او ضد او الامتناع في حين ان الانسحاب او التغيب غير ممكن باعتبار انه في حال كان متاحا لسفير لبنان فانه سيكون محرجا لو تغيب كل الوفد اللبناني بمعنى الهروب من الجلسة. لكنها كانت ستكفل للبنان ردود فعل غير مستحبة من دول غربية دعمت وصوله الى مجلس الامن في ظل سعيه الى اثبات قدرته على انه دولة صاحبة قرار ذاتي مستقل. حتى ان الادارة الاميركية التي كانت تحبذ لو ان لبنان يصوّت مع القرار كانت مستعدة لتفهم امتناعه عن التصويت لكن غير مستعدة او قادرة على تبرير استمرارها في دعم لبنان امام الكونغرس الاميركي في ظل اسئلة الى الادارة عن طريقة دعم بلد عسكريا وعلى غير صعيد في ظل اتخاذه مواقف تتعارض مع مصالح المجتمع الدولي، وفقا لرأي هذه الادارة علما ان الدول الاوروبية هي في الموقع والموقف الاميركيين نفسيهما من موضوع تصويت لبنان في مجلس الامن.

– تبيّن لمصادر سياسية ووزارية ان تصويت الوزراء في مجلس الوزراء كان سياسياً، بحيث اظهرت غالبية الوزراء عدم اطلاع على مضمون القرار الدولي بفرض عقوبات على طهران، والذي حمل الرقم 1929. ومعلوم ان الفقرتين الثانية والثالثة من القرار تضمنتا تأكيدا لضرورة التزام معاهدة عدم الانتشار النووي والحاجة الى التزام كل الدول هذه المعاهدة، على قاعدة ان ايجاد حل للموضوع النووي الايراني سيساهم في جهود عدم الانتشار النووي وينقله الى مستوى اكثر شمولية من حيث تحقيق شرق اوسط خال من السلاح النووي واسلحة الدمار الشامل. وهذه النقطة بالذات كانت للبنان مساع مهمة في شأنها، اذ انه يعني ان الامر لن يطول امام الوصول الى اسرائيل في هذا المجال، علما ان لبنان ومصر نجحا خلال المناقشات في اعادة النظر في معاهدة عدم الانتشار النووي الشهر الماضي في ادراج اسرائيل وتسميتها للمرة الاولى منذ عام 1995 من حيث حضها على الانضمام الى المعاهدة وتوقيعها، وتاليا السماح لمفتشي وكالة الطاقة الذرية بزيارة منشآتها، وهو امر لم يأخذ الحجم الذي يستحق من الاهتمام على رغم اهميته.

المصدر:
النهار

خبر عاجل