#adsense

توازن “متحرّك” بلاعبَين

حجم الخط

رغم الضجيج السياسي الواسع الذي اثاره التصويت في مجلس الوزراء على الموقف الرسمي من العقوبات الدولية على ايران، يبدو من الخطأ والتسرع اعتبار هذا التصويت، بتعادله السلبي او الايجابي، قاعدة ثابتة مرشحة للاتباع في اي تصويت مقبل على اي اجراء او تطور داخلي او خارجي. فعلى اهمية التحولات التي حملها هذا التصويت لدى بعض القوى الداخلية، لا يخرج الامر في النهاية على اطار استثنائي طبع القرار او اللاقرار الحكومي بازاء مسألة العقوبات، وهو اطار لا يتكرر كل يوم على الاقل إلا بمقدار ما يبتلى به لبنان من تطورات خارجية داهمة مماثلة.

ولكن ذلك لا يقلل في المقابل اهمية بعض التحولات التي برزت في هذا التصويت والتي لا بد من البناء عليها في استقراء مستقبل العمل الحكومي تحديدا في المرحلة المقبلة.

يمكن في هذا السياق الجزم تقريبا انه لم يعد في مجلس الوزراء الراهن من غالبية ثابتة ولا من اقلية ثابتة، فكلاهما صار متحركا للمرة الاولى منذ تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري. هذه الوصفة العجائبية، التي املت استحضار معادلة "لا غالب ولا مغلوب" الملاصقة لمفهوم التوازن اللبناني التاريخي، تدين بعودتها الى كتلتي وزراء الرئيس ميشال سليمان ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط، بصرف النظر عن مواقف الافرقاء السياسيين من هذا التحول سلبية كانت ام ايجابية.

الرئيس سليمان أقدم في هذا التصويت الى جانب قوى 8 آذار على تطوير من جانب واحد، وبقرار رئاسي صرف، لدوره "التوافقي"، فلم يعد مسيجاً بالمعايير التوافقية التي تملي حياده بين فريقي 14 آذار و8 آذار بل تجاوز هذا الالزام المسلم به منذ اتفاق الدوحة ووضعه جانبا وصاغ على اساس التصويت مع فريق 8 آذار قاعدة دور رئاسي يفرض توازنا داخليا ولو تحت وطأة موقف يضعه في موقع الانحياز الى طرف ذي امتداد اقليمي واضح. ومع ان تحولا كهذا يرتب على الرئيس مواجهة تداعيات وسلبيات داخلية وخارجية مقابل مكاسب داخلية وخارجية، فان دوره الدستوري على الاقل سيفضي به عاجلا ام آجلا الى الوقوف يوما في موقع معاكس، اي الى جانب قوى 14 آذار، اذا تكررت موجبات حفظ التوازن الداخلي.

أما تصويت وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي مع قوى 14 آذار فلا يعتد بثباته ايضا على طول الخط مع هذه القوى نفسها في اي استحقاق مقبل، لأن المسار الذي اختطه زعيم الحزب هو اوضح من ان تبنى على التصويت الاخير معادلة ذهب معها البعض الى الاستنتاج الفوري ان النائب جنبلاط اثبت انه لا يزال مع الغالبية ومن ضمن قواها.

في تصويته مع الامتناع عن التصويت على العقوبات، كان جنبلاط يثبت موقعا مستقلا فعلا من الناحية الاجرائية، ولم يخالف ما ذهب اليه مسبقا من تحديد موقفه من الصراع الدولي – الايراني. هذا الموقف بدا الى حد بعيد سياديا بالكامل، اسوة بموقف قوى 14 آذار، من دون ان يعني ذلك على الاطلاق ان الهوة بين جنبلاط وقوى 14 آذار قد ضاقت. فلا هي رفقة طريق انتخابية ولا هي عودة الى منظومة الاكثرية كما كانت ابان اندماج جنبلاط بقوى 14 آذار.

كتلتا الرئيس سليمان والنائب جنبلاط احدثتا معادلة جديدة ومختلفة في طبيعة القرار الحكومي بعدما صارت كتلتين متحركتين تمسكان بزمام توجيه التوازنات داخل مجلس الوزراء. واذا كانت كل منهما تغضب من تغضب وتفرح من تفرح، فإن الجديد الاهم في هذه المعادلة انه لم يعد ممكنا الجزم مسبقا بأي قرار مفصلي في مجلس الوزراء إلا وفق ظروف القرار وما يقتضيه من توازن سلبي او ايجابي، مع ما ترتبه هذه المعادلة الطارئة من اعادة حسابات جذرية لانفراط مفهوم الغالبية الثابتة والاقلية الثابتة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل