لماذا تحرّكت الاستعدادات السويسرية مجدّداً وبأي خلفية ؟
محاذير للحوار في الخارج لا تُسقط الاستعانة بالخبرات الحيادية
هل ثمة حوار بديل او مواز لطاولة الحوار التي تعقد جولاتها في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان؟
السؤال لم تثره اوساط الافرقاء السياسيين الاساسيين المشاركين في غالبيتهم في الحكومة، بل طرحته اوساط سياسية مراقبة لفتتها الجهود التي تقوم بها سويسرا مجدداً على خط جمع ممثلين للافرقاء السياسيين لديها من اجل المزيد من التحاور حول قضايا خلافية مطروحة في لبنان.
والواقع كما يشرحه سفير سويسرا في لبنان فرانسوا باراس الذي نشط خلال فترة وجوده في بيروت على اكثر من خط انه كان هناك دعوة الى ممثلين عن الافرقاء اللبنانيين للالتقاء في سويسرا بالتعاون مع منظمة غير حكومية (Asdeam) خلال الازمة السياسية في الاعوام القليلة الماضية. كما كان هناك عمل على خط دعوة خبراء سويسريين الى لبنان في موضوعي الاستراتيجية الدفاعية والتعددية السياسية وان الفكرة طرحها لبنانيون على سويسرا بناء على امرين: الاول ان لسويسرا تجربة رعتها سابقاً في الحوار بين ممثلي الافرقاء السياسيين طاولت مواضيع عدة ولكنها توقفت عند موضوع الاستراتيجية الدفاعية التي رغب ممثلو "حزب الله" في عدم المضي فيها على ان تكون موضوع نقاش طاولة الحوار اللبنانية التي دعا اليها رئيس الجمهورية لاحقاً. والامر الآخر ان الحافز الرئيسي لحض سويسرا على خوض هذا الغمار مجدداً كان الجدل الذي اثاره طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري حول الغاء الطائفية السياسية. وقد تبيّن لاصحاب فكرة حض سويسرا على ذلك ان اللبنانيين غير قادرين على الجلوس الى طاولة الحوار لمناقشة امور خلافية من هذا النوع وانه لا بد لهم من اطار يمكن جمعهم فيه من اجل اجراء هذه المناقشة انطلاقاً من السعي الى ايجاد حل مقبول لهذه المعضلة.
ويكشف باراس انه تم استمزاج جميع الافرقاء اللبنانيين كما استمزج رئيس الجمهورية الذي لم يمانع في انتداب مندوب عنه بصفة مراقب في حين انتدب الافرقاء من يمثلهم في هذه الاجتماعات. لكن هذا الامر سرعان ما تعرض الى الفرملة تحت وطأة عاملين: الاول اعتذار من انتدبه رئيس الجمهورية عن تلبية الدعوة الى الحوار في الموعد الذي كان تقرر مبدئياً لارتباطه بمواعيد اخرى. والآخر هو ملاحظة سويسرا ان المشاركين من طوائف معينة هم اكثر من طوائف اخرى. ولا بد تالياً من تعديل ميزان المشاركين حيث عرض الامر على الافرقاء المعنيين من اجل اقتراح ما قد يكون مناسباً.
الا انه ومع الاخذ في الاعتبار استعداد سويسرا كبلد حيادي صديق يمكن ان يضع خبرته في تقديم المساعدة للبنان حيث يرى ذلك مناسباً خصوصاً في امكان توفير الاطار والمكان المناسبين للقاء الافرقاء اللبنانيين، فأن الامر يثير تحفظات اوساط سياسية مراقبة. وهذا التحفظ يطاول المبدأ كما المضمون والشكل اذ ان رعاية سويسرا التعاون مع (Asdeam) طاولة حوار سابقاً وتبعتها فرنسا في حوار سان كلو لاحقاً ارتبطت بأزمة داخلية حادة افتقر فيها الافرقاء اللبنانيون آنذاك الى التواصل في حين ان الوضع الراهن يفترض ان تكون سمته الاساسية عاملين أساسيين:
– الاول هو عودة المؤسسات الدستورية من رئاسة الجمهورية الى مجلس النواب وحكومة وحدة وطنية بحيث ان توجه ممثلين عن الافرقاء اللبنانيين الى اي مكان خارج لبنان، ولو في ظل استعدادات طيبة من دولة صديقة كسويسرا، يعطي مؤشرات سلبية جداً الى الداخل والخارج على حد سواء. اذ ان كل الزيارات التي قام بها كل من رئيس الجمهورية العماد سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري الى الخارج تمت تحت عنوان اساسي هو استعادة لبنان الرسمي ومؤسساته الدستورية العافية، ومع انه لا يخفي واقع لبنان الداخلي عن كثير من الدول المهتمة، فإن لبنان كعضو غير دائم في مجلس الامن بما يعني ذلك او اراد المسؤولون ان يعنيه هذا الامر من شأنه أن يرسل رسائل متناقضة كلياً في حال استعان الافرقاء اللبنانيون بمكان خارج لبنان للقاء والحوار وبرعاية خارجية حتى لو تعذّر على هؤلاء الافرقاء التحاور في مجلس النواب او على اي طاولة حوار داخلية. فهذا تعبير عن عجز وقصور لا يفترض ان ينزلق اليه المسؤولون.
– العامل الثاني يتصل بما قد يطاول مواقع الرئاسات الثلاث لكن خصوصاً موقع رئاسة الجمهورية بالذات باعتبار ان الرئيس سليمان يدير طاولة حوار تلتئم بين وقت وآخر.
وعلى رغم المراوحة التي يشهدها هذا الحوار، فإن حصول اي حوار خارج لبنان بين الافرقاء اللبنانيين في الظروف الراهنة لا يخدم موقع الرئاسة الاولى حتى لو كان موضوع النقاش مختلفاً عن موضوع الاستراتيجية الدفاعية. اذ سيكون السؤال هل ان الحوار داخل لبنان عقيم في حين ان الحوار خارجه مفيد ومثمر؟ وهل ان الحاجة ملحة دائماً الى الخارج الصديق لرعاية مثل هذا الحوار؟
ولعل الاهم والانسب في رأي الاوساط المراقبة المعنية ان يبذل جهد داخلي متعدد لمحاولة التلاقي في مجلس النواب او خارجه، بعيداً من الاعلام كما كان سيحصل في سويسرا، في ظل خبرات كالخبرات السويسرية التي يتم الاستشهاد بها مثلا تكراراً ومراراً من حيث دعوة البعض الى تبني النموذج السويسري في التعددية في النظام السياسي او في الاستراتيجية الدفاعية. وقد اقامت السفارة السويسرية ندوات عدة من اجل تقديم المساعدة، لكن لم يظهر ان مؤسسات الدولة يمكن ان تستعين بهذه الخبرات عملياً ان على طاولة الحوار في بعبدا او في اي مناقشات ذات صلة في مجلس النواب.