مصلحة لبنان في "الابتعاد الديبلوماسي" عن صراع المحاور
العداء العربي لإسرائيل مختلف جوهرياً عن العداء الإيراني لها
المعادلة الملكة بالنسبة إلى لبنان هي "الحياد الديبلوماسي" بالنسبة إلى صراع المحاور، إقليميّاً ودوليّاً، مع الإنخراط الحيويّ والمميّز، في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وصولاً إلى إنجاز التسوية الشاملة، ودائماً على قاعدة التزام خط الإجماع العربيّ.
وهذا يعني أنّ الوضع يتأزّم كلّما عجز وطن الأرز عن التزام موقف الحياد الديبلوماسيّ، وكلّما تعطّلت قدرته على الإنخراط في الصراع العربيّ الإسرائيليّ على قاعدة الخيارات المشتركة للمجموعة العربيّة. المهمّ أيضاً عدم الخلط بين المستويين: ففي المعيار الديبلوماسيّ يعدّ الصراع الإقليميّ أو الدوليّ بين المحاور شيئاً، والصراع العربيّ الإسرائيليّ شيئاً آخر تماماً.
لا شكّ أنّ ثمّة تداخلاً أكيداً بين أوجه من هذا الصراع وأوجه من ذاك. إلا أنّه ليس بالمقدور تحديد السياسة الخارجية لدولة على أساس هكذا تداخل.
فأن تكون إيران دولة معادية لإسرائيل منذ الثورة الإسلامية، فهذا أمر يمكن أن يجد العرب مصلحة قوميّة فيه، ولو كان العداء الإيرانيّ لإسرائيل مختلف عن العداء العربيّ لها.
فالعداء العربيّ لإسرائيل هو عداء "تاريخيّ" بكل ما للكلمة من معنى: الصراع العربيّ ضدّ الدولة الصهيونيّة هو تتمّة للنضال التحرّري الوطنيّ للشعوب العربيّة إبان الحقبة الإستعماريّة، كما أنّه صراع متّصل بالخيارات التي طرحت عربياً للنهوض القوميّ والحضاريّ في المرحلة ما بعد الإستعماريّة، وهو منذ السبعينيات على أقل تقدير صراع من أجل التسوية الإقليميّة، على قاعدة حلّ الدولتين المتعايشتين على أرض فلسطين التاريخية.
أمّا العداء الإيرانيّ لإسرائيل فهو عداء "لا تاريخيّ" أو "ما بعد تاريخيّ" أو "ما وراء تاريخيّ".
هو "عداء لا تاريخيّ"، من حيث أنه أتى ما بعد حقبة الحروب النظاميّة العربيّة الإسرائيليّة، وعشية حرب إيرانيّة عربيّة هي الحرب العراقيّة الإيرانيّة. كما أنّ إيران لم تكابد في الأساس تلك الحقبة الإستعمارية التي كابدها العرب، والتي كان جزءاً منها الإقتطاع الكولونياليّ للقسم الأكبر من أرض فلسطين لإقامة "دولة اليهود". المدرسة الإيرانية، من مصدّق إلى الإمام الخمينيّ إلى السيد خاتميّ إلى محمود أحمدي نجاد، هي مدرسة تماهي بين الإستعمار المباشر والإستعمار غير المباشر. هذا الخلط هو نتيجة لعدم مرور إيران بمرحلة إستعمار مباشر وتقسيميّ ومزمن.
وهو "عداء ما بعد تاريخيّ" كونه من نوع يقفز على الجغرافيا ومحدّداتها. إن المناهضة الإيرانية أو التركية أو الباكستانية لإسرائيل هي من نوع قابل لأن يصرف في ميزان العلاقات الدوليّة من جهة، وفي ميزان الإستقطابات داخل المجتمعات المعنية من جهة أخرى، لكّنه لا يصرف على خط المواجهة مع إسرائيل، إلا إذا تمكّنت هذه الدول غير المتاخمة لإسرائيل، والتي تفصلها عنها البلدان العربيّة، من إيجاد دوائر ومناطق نفوذ لها ضمن الخارطة العربيّة، وهو تحديداً ما تمثّله ظاهرتا "حزب الله" و"حماس".
وهذا العداء الإيرانيّ لإسرائيل هو "ما وراء تاريخيّ" بل عداء مثقل بالماورائيات والغيبيات إلى أبعد حدود، ويتصل بإعادة إنتاج سياسيّة لثنائية الصراع الأزلي بين الخير والشرّ في الميثولوجيا الإيرانيّة القديمة، بالإضافة إلى الوعد الإيسكاتولوجيّ المكرّر بقرب هلاك اسرائيل.
لأجل ذلك وجب التمييز على طول الخط بين العداء العربيّ لإسرائيل وبين العداء الإيرانيّ لها. هذا لا يعنيّ أنّه ليس من مصلحة العرب أن تلتزم إيران صفّهم بعد أن كانت في أيّام الشاه إلى جانب إسرائيل. ثمّة مصلحة أكيدة في ذلك، ولو كانت مشاريع التدخل والتغلغل الإيرانيين في الخارطة العربية يعطّلانها إلى حد معيّن. لكن ما ليس بديهياً أبداً أن يكون للعرب مصلحة قوميّة في أن تنتج إيران قنبلة نووية، أو أن تمتنع إيران عن التعاون مع وكالة الطاقة الذريّة.
يعاني العرب إنعدام التوازن إستراتيجياً مع إسرائيل كونها تملك رؤوساً نووية. لكن إنعدام التوازن هذا لن يحلّه إمتلاك إيران لرؤوس نووية. ولن تحلّه في الأساس الأيديولوجية الرسمية لإيران التي ترى بأن قوى الممانعة في المنطقة حققت حتى الآن "تفوقّاً استراتيجياً" على إسرائيل. كل هذا يرتد سلباً على المصلحة العربية.
العرب يريدون أن تكون إيران إلى جانبهم في الصراع مع إسرائيل، وأن تتقبّل إيران فكرتهم حول الشروط التاريخية لتسوية هذا الصراع، بدلاً من المزايدة "اللاتاريخية" التي تستعيد شعاراً قديماً حول رمي اليهود في البحر. لكن العرب ليس لهم مصلحة أبداً في الوقوع بين دولتين نوويتين لا يمكن أن تنشب بينهما حرب برّية كلاسيكية.
ولبنان في هذا الإطار يفترض فيه أن يمثّل الموقف العربيّ التاريخيّ بكامله، لأنّه المعنيّ الوحيد في عالم اليوم، باحتمالات الحرب البرّية الكلاسيكية هذه، التي لا يمكن أن تنشب بين إيران وإسرائيل، إلا من طريق لبنان، وبمعية مقولة "جيش شعب مقاومة".