#adsense

كارِن طفلة الجنوب

حجم الخط

إلى كارِن نهرا التي وُلدت في إسرائيل وماتت.

لم ترَ كارِن لبنان حين جاءت، رأته حين نامت، والاطفال حين ينامون يرون كل الاشياء، يرونها كما يريدون، وكما يجب ان تكون، بلا حواجز ولا حجاب، وخصوصا بلا اسلاك، وكارن اجتازت الاسلاك وعبرت الى وطنها، الوطن الصغير، مثل فراشة.

لم يوقفها احد، لم يعترضها احد، أحد لم يسأل عن طائفتها او انتمائها او هويتها، وكارن كانت بلا هوية، مثل كثير من الاطفال، الذين هويتهم طفولتهم، وطائفتهم براءتهم، وانتماؤهم لوطن آخر من الحان ومن الوان، وطن يجهله الكبار، ولا يعرفونه.

ونحن رأينا كارن، وعرفنا انها وُلدت هناك، وراء الحدود، قرب الجنوب، بكبد مريض، ولم ينفعها كبد والدها الجديد، ولم تسعفها الأدعية ولا الصلوات، كارن خارج الوطن… خارج الحياة، ويرفضون ان يُعيدوا كارن.

وكثيرون مثل كارن، ذنبهم انهم جنوبيون، خطيئتهم انهم حدوديون، في الحرب يموتون وفي السلم يموتون، لأن هناك دائما صليب، وقدرهم ان يحملوا الصليب، يضطهدهم اهلهم هنا، ويضطهدهم هناك اليهود، هنا يرجمونهم وهناك يصلبونهم، هنا هم عملاء، وهناك هم غرباء، وكل يوم يسقطون، وكل يوم يرتفعون على صليبهم.

لكن كارن عادت من غير إذن، لا في العتمة ولا في السر، عادت في صندوقها الابيض، وكانت حلوة، وكانت زهرة وسط ازهار، وحلماً بين احلام، حلم اطفال لبنان ان يدعهم الكبار يكبرون، كما النيازك، كما النجوم، كما الاضواء الخفيفة، كما ذاك العشب الاخضر الطري، فلا يدوسونه بجزماتهم، ولا يسممونه بأحقادهم، ولا يزرعون فيه شوكهم الثقيل.

كارن الآن في الصندوق، مثل لعبة. كارن الآن في الجنوب، بفستانها الطويل، تعيد زمن الربيع، تخرج تلعب، تقع تضحك، وعند المساء مثل الفراشات تنام.
ولا تزعجوها، في كبدها، في قلبها، لبنان ينام.

المصدر:
النهار

خبر عاجل