سؤال بديهي يطرحه المواطن المراقب بشأن موقف صحيفة "الوطن" السورية بالامس من زيارة الدكتور سمير جعجع الى مصر: من سأل الجريدة السورية رأيها كي تسمح لنفسها بالتدخل في شأن لبناني داخلي وتطلق احكام سياسية انحيازية ضد فريق لبناني؟
ان العقدة السورية الاساسية في منتصف القرن الماضي كانت تدور في جزء منها حول تدخل الاعلام اللبناني في الشأن السوري الداخلي الذي كان في حينه متقلبا وغير مستقر سياسيا وامنيا في سوريا – ولطالما كانت الشكوى السورية من أن اللبنانيين يتدخلون في الشأن السوري الداخلي – ولتذكير الصحيفة السورية نشير الى انه وبتاريخ 30/5/1962 ساءت العلاقات بين سوريا ولبنان بسبب الحملات التي شنتها الصحافة اللبنانية انذاك على الحكومة السورية وهاجم نائب رئيس الحكومة السورية انذاك السيد رشاد برمدا الصحف اللبنانية واتهمها باثارة المشاكل في سوريا.
وعادت السلطات السورية وبتاريخ الاول من حزيران 1962 واعلنت عن اتخاذها اجراءات ضد الصحف اللبنانية التي تهاجم سوريا وارسل يومها الرئيس السوري ناظم القدسي رسالة شفوية الى الرئيس اللبناني فؤاد شهاب يناشده فيها وقف الحملات الصحفية على سوريا – ويومها ايضا تمنى رئيس الحكومة السورية بشير العظمه ان يدرك لبنان طبيعة الاوضاع السورية في هذه المرحلة ويساعدها على ضبطها – واعرب نائب وزير الخارجية السوري عبد السلام العجيلي عن اعتقاده بأن لبنان سيتعاون مع سوريا لوقف تلك الحملات.
وفي خلال الشهر عينه من السنة عينها (حزيران 1962) شنت الصحف السورية حملة على السلطات اللبنانية لتقاعسها عن وقف حملات بعض الصحف اللبنانية على السلطات السورية وكتب الصحافي السوري "نصوح بابيل" في جريدة "الايام" السورية "ان لبنان يلحس المبرد" في عدم الالتفات لما يجري فوق ارضه ضد السلطات السورية …
فما اشبه الامس باليوم، ولكن بالصورة المقلوبة: فصحيفة "الوطن" التي دابت منذ اكثر من سنة على التدخل في الشأن اللبناني الداخلي وعلى الدخول على خط الاصطفافات اللبنانية والوطنية الداخلية انما تشكل الى الان احدى ابرز دوافع الشك لدينا من حقيقة النوايا السورية تجاه لبنان وعن حقيقة الموقف السوري من لبنان ومن ترميم واصلاح وتطوير العلاقات. لكأن الصحيفة المذكورة مكلفة بالتخريب باستمرار على كافة المحاولات الجدية الصادرة من القيادات الرسمية اللبنانية في سبيل اصلاح العلاقات وارتقائها الى مستوى علاقات ثقة واحترام وتعاون متبادل بين البلدين والدولتين.
فصحيفة "الوطن" السورية اليوم "تلحس من نفس المبرد" الذي كانت سوريا تعتبر الصحافة اللبنانية انذاك في الستينات تلحس منه … وصحيفة "الوطن" السورية تخرب المجهود الجدي والرصين لرئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين في تصحيح العلاقات وتحسينها وقيادة الانفتاح اللبناني على النظام السوري، فيما يبدو ان هذا النظام لا يزال اسير اشباح الماضي وعقد التعاطي مع الملف اللبناني.
انطلاقا من هذا الواقع يهمنا تسجيل الاتي:
اولا: ان صحيفة "الوطن" السورية وحتى اشعار اخر لا تساهم ابدا في تصحيح العلاقات وفي تدعيم مسيرة بناء الثقة بين البلدين التي بدأها رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الحالية، وهي بالتالي لا تبدي اي استعداد للخروج من الاصطفاف الداخلي اللبناني ومن انحيازها الواضح الى فريق لبناني على حساب فريق اخر، فيما المطلوب اليوم من النظام السوري اكثر من اي يوم مضى ان يكون فعلا على مسافة متساوية من جميع اللبنانيين.
ثانيا: ان الدكتور سمير جعجع ركن اساسي من اركان المشهد اللبناني وممثل لشريحة لبنانية ضحت واستشهدت وقدمت الغالي والنفيس في سبيل بقاء لبنان وقيام الدولة السيدة الحرة والمستقلة في لبنان والتي وحدها يمكنها ان تكون السسند الصادق والصدوق للنظام السوري بدل ان تكون عالة عليها وتورط دمشق في وحولها المتحركة – وبالتالي ان على الصحيفة السورية احترام ارادة قسم من اللبنانيين وقسم من المشهد اللبناني الداخلي ووجود كل القوى اللبنانية على الساحة السياسية باختلافاتها وخلافاتها من دون ان تتدخل هي في التهجم على فريق او في دعم فريق على اخر – لان ما تلعبه اليوم الصحيفة السورية هو نفسه الدور المشؤوم الذي لعبته دمشق في السبعيينات والثمانينات في لبنان والتي ساهمت في اطالة امد الازمة اللبنانية الداخلية بدل ان تسهم في تسريع حلولها – وكأن النظام في دمشق تربى على رغبة دائمة في الامعان في تقسيم اللبنانيين وفي تذكية انقساماتهم وتفتتهم …
ثالثا: ليس ابدا دور الصحيفة السورية ان تتدخل في توصيف وتحليل زيارات الدكتور جعجع او اي مسؤول او شخصية لبنانية اخرى الى اي مكان على وجه الكرة الارضية – لان لبنان دولة سيدة ومستقلة واللبنانيين لهم ما لهم من علاقات مع كافة الدول والشعوب وبالتالي وان كنا نتفهم الانزعاج السوري الواضح من زيارة الحكيم الى مصر – الا اننا لا نستطيع تحت اي ظرف ولاي سبب القبول من اي جهة غير لبنانية ان تتدخل في اي تحرك او زيارة سواء بالنقض او بالتحليل حتى طالما اننا لا نسمح لانفسنا بتحليل وانتقاد الكثير من المواقف السورية الرسمية في سياسسات النظام الداخلية والخارجية .
رابعا: تبقى نصيحتنا الى الصحيفة السورية بأنها واذا كان اسيادها جديون فعلا في فتح صفحة جديدة مع لبنان واللبنانيين وبناء علاقات ثقة متبادلة – تؤسس لمستقبل زاهر بين البلدين – فعلى المسؤولين عن الصحيفة ومن وراءهم المسؤولين السوريين ان يدركوا اهمية عدم التدخل في الشؤون اللبنانية من جهة واحترام كل الفرقاء اللبنانيين من جهة ثانية بغض النظر عن مواقفهم منها وعن تاريخها معهم. وفي هذا السياق نعتبر ان استمرار صحيفة "الوطن" السورية في معاداة فريق من اللبنانيين، وتحديدا فريق "14 اذار" وتحديدا اكثر "القوات اللبنانية"، لن يخدم صورة النظام السوري تجاه اللبنانيين ولا مساعي الانفتاح والتوافق وبناء الثقة – فان كان النظام السوري مطمئن الى سياسة الوطن السورية فليستمر بالسماح لها ببس السموم الدائمة اتجاه فريق من اللبنانيين وليستمر بالسماح بالامعان في اعتماد الازدواجية في المواقف والتناقض في الافعال – وعندها سنضطر كلبنانيين في نهاية المطاف الى وقوف نفس موقف اباءهم في سوريا عام 1962 واعتبار النظام السوري غير جدي في فتح صفحة جديدة مع لبنان وفي الاقرار بسيادة واستقلال وحرية لبنان وحقه في الوجود السيد وحق ابنائه في اختبار ما يرونه لمستقبلهم – وعندها ما نفع كل الخطوات الانفتاحية والاصلاحية ؟
فالى صحيفة "الوطن" السورية نقول : كفى تدخلا بالشؤون اللبنانية … كفى تلاعبا واذكاء للاصطفافات اللبنانية الحادة … فاذا كانت دمشق تريد ان لا يتدخل لبنان في شؤونها فعليها ان تقتنع مرة اخرى بوقف تدخل ابواقها في الشؤون اللبنانية الداخلية …
لطالما راعينا واجب التحفظ والامتناع عن التدخل في الشأن السوري الداخلي ولو حتى بالاشارة العابرة … فلن نقبل بعد اليوم ان نبقى من طرف واحد نراعي الاخرين، فيما الاخرون يمعنون في الدوس على استقلاليتنا وسيادتنا …