فرنسا بعد الفاتيكان تذكّر بالقيمة المرجعية لرأس الكنيسة المارونية
صفير في مواجهة مؤامرة "الحجر على طاولة الحوار"
يأتي استقبال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير في سياق إقليميّ حسّاس ترافقه داخلياً مساع حثيثة يبذلها فريق 8 آذار لـ"الحجر على طاولة الحوار" وفرض مقولة "جيش وشعب ومقاومة" بشكل قسريّ ومتعسّف.
في مقابل هذا الجهد المحموم من معسكر "الممانعة"، يتقاطع إصرار البطريرك صفير على أن "الحوار ضروريّ ويجب أن يعطي بعض الثمر" مع تذكير دوليّ مرشّح للتعبير عنه بأشكال مختلفة في المرحلة المقبلة، ومختصره أنّ الحوار الجديّ وحده قادر على حماية لبنان، وأنّ لبنان يصبح في دائرة الخطر إذا ما أخرج الحوار من جديّته، إو إذا جرى نسف طاولة الحوار من أساسها. وتنضوي في هذا الإطار السياسة الأوروبية عموماً، والفرنسيّة خصوصاً، وسط تأكيد فرنسيّ عالي المستوى على القيمة المركزيّة التي يمثّلها رأس الكنيسة المارونيّة في الحياة السياسية اللبنانية. فما يمثّله البطريرك صفير حالياً هو القيمة المتمثّلة بضرورة الحوار من جهة، والقضيّة التي يراد تغييبها عن الحوار من جهة ثانية، مع أنّها القضية المركزيّة للشعب اللبنانيّ، والقضية الوحيدة التي ينبغي أن تثار على طاولة الحوار، أي قضية سلاح "حزب الله".
تأتي زيارة البطريرك لفرنسا بعد عام واصل فيه، ومن دون انقطاع، التشديد على وجوب أن "تحزم الدولة أمرها وتتولى أمر السلاح" كما قال بالأمس.
فمنذ كلامه عشية انتخابات 7 حزيران عن "أننا اليوم أمام تهديد للكيان اللبناني ولهويتنا العربية، وهذا خطر يجب التنبه له" ودعوته يومها الى وعي لـ"ما يدبّر لنا من مكائد" وإلى "إحباط المساعي الحثيثة التي ستغيّر، إذا نجحت وجه بلادنا"، والبطريرك يأخذ هذه القضية على عاتقه، في ظل جملة ملابسات داخلية وخارجية تحول دون أن تكون قوى 14 آذار في الطليعة، وتلزمها، كما في سياق "القضية الإستقلالية" في مرحلة 2001-2005، بـ"مواكبة" متفاوتة للموقف المتقدّم الذي يمثّله البطريرك.
منذ 7 حزيران 2009 وإلى اليوم، أطلق صفير عشرات المواقف في هذا الإطار. أثبت بذلك أن ما قاله عشية الإنتخابات كان يتخطّى إستحقاقها بحدّ ذاته. في تشرين الثاني من العام الماضي، وضعنا البطريرك أمام معادلة "إما السلاح وإما الديموقراطية" وقال "حيث هو السلاح، السلاح هو الذي يسيطر وحيث لا سلاح، الديموقراطية هي التي تسيطر" وخلص إلى أنّه "لا يمكن في بلد واحد أن تتسلّح جماعة بالسلاح وأخرى بالديموقراطية" ووصف "حزب الله" بأنه يعمل لمصلحة إيران ويدين بالولاء لها. وفي كانون الأوّل 2009 سأل "هل يعقل وجود سلاح خارج الشرعية يوجه يوماً إلى العدو ويوماً إلى الداخل" مشدّداً على أنّ "الجيش النظامي هو وحده الذي يحمي الوطن وعلى المقاومة أن تنضم بسلاحها إلى الجيش اللبناني. عندها يقاوم الجميع العدو". وهو سأل في شباط من هذا العام "إذا كان هناك فئة تحمل السلاح وفئة لا تحمله، فمن يضمن أن هذا السلاح لا يوجه إلى الفئة التي ليس عندها سلاح". وفي آذار 2010 أكّد أنه "ما من بلد فيه جيشان، جيش وطني وجيش آخر خارج عن القاعدة، ولذلك إذا أراد لبنان أن يكون كسائر البلدان، عليه أن يوحد جيشه ويكون له جيش واحد" وأن "الخروج عن الدولة ليس بمستحب" ويجب أن "تكون مسؤولة عن كل ما يجري في البلد" وعليها "أن تضبط الأمر وألا يكون هناك سلاح إلا بيدها".
وبعد مواقف رئيس الجمهورية الأخيرة، أكّد صفير، غداة زيارته الأخيرة إلى الأردن الشهر الماضي، أنّ لـ"رئيس الجمهورية أسبابه ليقول ما قال عن سلاح المقاومة ونحن نقول انه في البلد الواحد يجب أن يكون هناك سلاح واحد" وأن "السلاح في أيدي فئة يشجع الآخرين على التسلّح".
كل هذه المواقف التي تطلقها أعلى مرجعية دينية مسيحية في لبنان، وأعلى مرجعية دينية كاثوليكية في الشرق الأوسط، تجعل من غير المعقول، في البلد القائم على معادلة إسلامية مسيحية، والذي يتفرّد فيه "حزب الله" بالسلاح على أساس أيديولوجيا دينية مذهبية، أن يستمرّ إستبعاد القضية المركزيّة، قضية استمرار وجود سلاح "حزب الله" المتعارض سواء مع مبدأ إحتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعيّ، أو مع مبدأ المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات، أو مع قواعد العمل في النظام الديموقراطيّ البرلمانيّ الحرّ، أو مع موجبات الاستقرار في بلد يعتمد على اقتصاد السوق الحرّ، أو مع الشروط الأولى للإستقلال الوطنيّ.
وإذا كانت الحالة كهذه، فقد آن الأوان لفريق 8 آذار أن يكون صريحاً مع نفسه أكثر من قبل، إذ ما عاد ينفع "التركيز" الحاقد على رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، ما دام الموقف الطليعيّ في مواجهة معادلة "السلاح" هو الموقف المثابر للبطريرك صفير، وما دامت فرنسا اليوم، من بعد الفاتيكان بالأمس، تذكّر أصناف الممانعين بأنّ البطريرك صفير مرجعية وطنيّة أساسيّة لا يمكن تجاوز ما تقول بصدد مشكلة السلاح، وبأنّ "الحجر على الحوار" ليس مهمة ميسّرة بالشكل الذي يحلم به مهندسو "الإنقلاب" الحاليّ على "طاولة الحوار"، أولئك المستظّلون بالشعار "الكيم إيل سونغي".. شعار "الجيش والشعب والمقاومة".