#adsense

نموذج ونموذج

حجم الخط

كيف يمكن للمسؤولين، في قلب الدولة هم، او على هامشها وجانبها، ان ينصرفوا بكامل قدراتهم وطاقاتهم ووقتهم، الى تدبير شؤون الناس الملحّة، التي غابت عن اهتمامات الدولة سنوات وسنوات، فتحولت من مشكلة الى معضلة، وهذه المعضلات يعيشها اللبنانيون يومياً ويعانون صعوباتها ونتائجها، وما في اليد حيلة لدرء شرورها عنهم، طالما ان الذين قلبهم على وطنهم، مشغولون الى ما فوق الرأس في كيفية حماية لبنان من اخطار تتهدده بسبب النزاع العربي – الاسرائيلي، الذي يقترب عمره من حرب المائة عام في اوروبا، وتداخل المصالح الاقليمية والدولية في هذا النزاع، بحيث كان لبنان الخاسر الأكبر في سلسلة الحروب التي نشبت في الاربعينات من القرن الماضي، وما يزال جمرها يتّقد بقوة منذراً بحروب مقبلة.

منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، وضع العماد ميشال سليمان، هدفاً اساسياً لعهده هو حماية لبنان من اي اعتداءات اسرائيلية، ومن اي نتائج للصراعات الاقليمية والدولية، السياسية منها والعسكرية والطائفية والمذهبية، التي لا بد وان تنعكس عليه سلباً، بما يهدد تماسك الدولة والشعب، من هنا كانت زياراته الى عواصم دول القرار والدول الصديقة والشقيقة، والى الامم المتحدة، ليس لاسماع صوت لبنان وحسب، بل لتأمين مظلة امان وحماية له، وشاركه في هذه المهمة الضرورية الصعبة رئيس الحكومة سعد الحريري، وشاركه ايضا ويشاركه بعض القيادات السياسية المخلصة التي تحاول المستحيل عدم الغرق في المستنقعات الداخلية النتنة التي تقوم على نبش القبور، والتفتيش على اي شيء من شأنه ان يفرّق لا أن يجمع، واعتماد سياسة التصادم والعداء مع فئات لبنانية مختلفة، ونصب الكمائن السياسية وغير السياسية في وجه كل من يدعو الى اعتماد الدولة مرجعاً وحيداً في كل شيء. ولا بد هنا من الاشارة الى الدور المؤثر الذي يلعبه البطريرك الماروني نصرالله صفير في تكثير الاصدقاء والحلفاء لمنطق قيام الدولة، مستخدماً في ذلك هيبته وصدقه وايمانه ومحبته لجميع اللبنانيين في دولة الفاتيكان وفي الدول العديدة التي زارها، وكان همّه الوحيد كيف يمكن المحافظة على وحدة لبنان وعلى الوجود المسيحي فيه وعلى استمرار العيش الواحد.

كان لبنان الخارج من الحروب المدمّرة، بغنى عن انصراف قياداته الى نصب شبكة أمان دولية فوقه وحوله، بدلاً من انصرافها الى معالجة اوضاعه المعيشية والاقتصادية والحياتية الصعبة، ومعالجة ما تهدّم من اخلاق وتربية وثقافة وايمان وجدّية والتزام بالقوانين، لو ان اللبنانيين يجمعون، او يتوافقون بأكثريتهم الكبيرة، على ان الدولة الواحدة هي الخلاص، وانهم في ظل هذه الدولة يمكنهم ان يوالوا ويعارضوا ويناقشوا ويتنافسوا ويختلفوا، ولكن لبنان ومصلحته يبقيان هما الاساس والهمّ، وليس مصلحة هذه الدولة او تلك، مهما كانت هذه الدولة قريبة او مقرّبة من البعض، لأن لكل دولة اهتماماتها ومصالحها واستراتيجيتها وتوجهاتها دون ان تأخذ في حسابها اين تقع مصلحة لبنان في هذا المجال، لذلك فان الطرح الذي يقول ان على لبنان الالتزام بموقف الحياد الايجابي من جميع القضايا، وهذا موقف التزمته في الخمسينات والستينات دول كبيرة مثل مصر والهند ويوغسلافيا التي دعيت يومها بدول عدم الانحياز بين مجموعة دول الاتحاد السوفياتي ومجموعة دول العالم الحر، ولكنها كانت الى ما يؤمّن مصلحة بلادها وشعوبها.

في الامس، كان رئيس الحكومة سعد الحريري ينتقل في الليل والنهار من بلد الى بلد حاملاً القضية اللبنانية طالباً تفهّم العالم لها ودعمها ومواكبتها، ورئيس البلاد العماد ميشال سليمان، حمل معه الى سوريا الملفات التي تريح العلاقات بين البلدين وتؤمن استقراراً على الساحة اللبنانية، وكلها هامة واساسية، والبطريرك صفير حمل اعوامه التسعين فوق كتفيه وطار الى فرنسا يجدد مطالبته لها بأن تبقى الى جانب لبنان كما كانت منذ زمن طويل، ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، يتجاوز حساباته الامنية ويجول على عواصم عربية وغربية يشرح ويناقش مشاكل لبنان وعوائق تقدّمه مع الدول الصديقة القادرة على المساعدة، ووزير الدفاع الياس المر يفاوض في باريس سبل تزويد الجيش اللبناني بالسلاح والعتاد والتدريب، وفي الوقت ذاته نرى في لبنان وزراء ونواباً وقيادات وشخصيات، تتلهى بأمور وقضايا، لا علاقة لها بمصلحة لبنان والدولة والشعب، بل بمصالحها هي واحقادها هي وسخف ارائها هي، وبعض هؤلاء في عزّ سيطرتهم على الدولة والمؤسسات لم يقدموا للناس، سوى العنف والقمع والترهيب، وفتح ابواب السجون امام الوف اللبنانيين.

قياساً على هذين النموذجين، كانت انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005، وقياساً على النموذج الثاني، لن يتخلى الشعب عن انتفاضته مهما كانت العراقيل والصعوبات.

المصدر:
الديار

خبر عاجل