#adsense

الكوادر المسيحية اللبنانية المسلوبة الحقوق

حجم الخط

جانب من أزمة لبنان أن مسيحييه في أزمة. وجانب مهم من أزمة مسيحيي لبنان سببه أن أدوات عملهم السياسي في أزمة. وجانب أساسي من أزمة أدوات العمل السياسي المتمثلة بالأحزاب والتيارات السياسية والشخصيات المسيحية المستقلة ناجم عن واحد من ثلاثة: إما عن المشروع السياسي بحد ذاته بالنسبة الى البعض، أو عن الافتقار الى آلية تسمح بوضع المشروع موضع التنفيذ بالنسبة الى البعض الآخر، أو عن غياب المشروع والآلية في آن واحد بالنسبة الى البعض الثالث.

وفي حين كانت الآمال معقودة على وضع حد لهذه الأزمة مع انتهاء عهد الوصاية السورية باعتباره مسؤولا، بأساليب النفي والسجن والإبعاد والفرض والملاحقات والتضييقات التي مارسها مباشرة وبالواسطة، عن "عصر الانحطاط السياسي المسيحي" الذي ساد منذ العام 1990، فقد جاء انسحاب الجيش السوري من لبنان، وتراجع النفوذ السوري عن دورة الحياة السياسية والأمنية في لبنان في العام 2005، ليظهر بأن المشكلة لم تكن حصرا في الإداء السوري العامل باستمرار على الغاء الدور السياسي المسيحي الفاعل كجزء من الغاء الحياة السياسية عموما في لبنان (من دون أن يعني ذلك تقليلا من تأثيرات هذا الإداء وسلبياته)، وانما تكمن في جانب منها في إداء الأحزاب والتيارات والشخصيات السياسية المسيحية التي مارست في حق نفسها، وفي حق بعضها البعض وفي حق محازبيها ومناصريها جولات من القمع الفكري والقهر المعنوي والإقصاء القسري عن مواقع القرار والإبعاد عن لعب الأدوار السياسية، لامست في قسوتها ما كانت تتعرض له من جانب سلطة النظام الأمني اللبناني – السوري التي كانت تمسك بمفاصل لبنان على مدى خمس عشرة سنة.

وقد لا يكون من المبالغة القول إن سياسة السلطة في التعاطي مع أصحاب الفكر السياسي في تلك الآونة، بقيت تلقى امتدادات لها مستغربة في السياسات التي تتبعها الأحزاب والتيارات والشخصيات السياسية المسيحية، ولو من منطلقات ولأهداف متباينة تماما.

وإذا كان على كل صاحب فكر سياسي على الساحة المسيحية من خارج دائرة سلطة ذلك الزمان أن يواجه تهمة العمالة لاسرائيل وللمشاريع المشبوهة في حق لبنان واستقراره، لمجرد تمسكه بحقه في خطاب سياسي صرف يعارض الأمر الواقع، فقد وجد أصحاب الفكر السياسي من المسيحيين غير المنتمين الى "البطانة المنزلية والحاشية العائلية" لبعض "الأحزاب" والقوى السياسية أنفسهم بعد انتهاء "عهد الوصاية" أمام سيل من التجنيات والممارسات التي ركزت على إلغاء دورهم وإبعادهم عن أي موقع مؤثر في الحياة في العامة.

وكما تحولت دعوات أصحاب الفكر السياسي الرؤيوي الى التحسب للمستقبل، والاستعداد لمواجهة المتغيرات التي لا بد أن تأتي يوما على قاعدة حتمية التطور التاريخي جريمة في نظر السلطة التي، كما كل سلطة ديكتاتورية- مخابراتية في العالم والتاريخ، تعتبر نفسها أبدية الوجود، فقد تخلى معظم التيارات والاحزاب السياسية عن دوره في اعداد كوادر قادرة على بلورة مشاريع سياسية وخطاب سياسي تفاعلي، لمصلحة موجة من "الالتزام السياسي والحزبي العاطفي والغرائزي" حلت فيه الشعارات محل المشاريع، والهتافات محل أوراق العمل، والتظاهرات محل الندوات، والاعتصامات محل حلقات النقاش، والوصولية مكان الكفاءة، والطاعة مكان الحوار، والخضوع مكان الإبداع والابتكار…

وهكذا اضطر المسيحيون الى مواجهة مرحلة ملء الفراغ السياسي الناجم عن انهيار سلطة الوصاية السورية على لبنان من موقع هو الأضعف لناحية الكوادر السياسية الشابة بالمقارنة مع مكونات المجتمع اللبناني الأخرى لا سيما الطوائف السنية والشيعية والدرزية، مما أفرز خللا مزدوجا مسيحيا ولبنانيا تسبب ولا يزال بفصل جديد من فصول الخلل السياسي على مستويي التوازنات الداخلية على الساحة المسيحية من جهة وتركيبة السلطة اللبنانية من جهة مقابلة.

أما الترجمة الواقعية لهذا الخلل فتتمثل مسيحيا بالآتي:
1- عاد العماد ميشال عون من المنفى بمشروع سلطة غلافه شعار "الإصلاح والتغيير"، وترجمته رئاسة الجمهورية. أما أدوات تنفيذه البشرية، فظاهرها شباب "التيار الوطني الحر"، وواقعها تحالفات داخلية وإقليمية تناقض الشعارات التي على أساسها دخل عون معترك السياسة، وكتلة نيابية يغلب على تركيبتها مزيج من الجنرالات والتقليديين إن لم يكن بالعائلية، فبطريقة التفكير والممارسة السياسية، خلافا لشعارات وعناوين مواجهة "اقطاع السياسة" و"اقطاع المال" التي طالما رفعها ورددها العماد عون. وهكذا أضحت كل التحالفات والتسويات المحلية والإقليمية ممكنة ومسموحة وقابلة للتبرير والتفسير والاجتهاد على قاعدة تعزيز موقع عون في السلطة بعدما تلاشت حظوظه في الرئاسة… وكل ذلك بمعزل عن حق المناضلين الفعليين على الأرض في لعب الدور الذي يستحقون.

2- عاد الدكتور سمير جعجع الى الحلبة السياسية من باب سجن وزارة الدفاع، بمشروع شراكة وطنية اسلامية- مسيحية، يعيد بناء السلطة السياسية اللبنانية المستقلة على قواعد تكريس الوفاق والمصالحة والتوازن… لكن تطورات السنوات الخمس الماضية أظهرت أن هذا المشروع لا يزال يفتقد بدوره، على الرغم من الخطوات النظرية على طريق تنظيم القوات اللبنانية، الى الكوادر البشرية القادرة على وضعه موضع التنفيذ، من خلال تركيبة حزبية تعيد تنظيم قواعد القوات اللبنانية، ومحاكاة الرأي العام، وتقديم المشروع السياسي بأسبابه الموجبة، والدفاع عن إيجابياته، على الرغم من أن البيئة الإجتماعية للقوات اللبنانية أثبتت على مدى سنوات طويلة مضت أنها غنية بالطاقات الشابة التواقة الى تحمل مسؤولياتها حتى في اصعب الظروف.

3- عملت الأحزاب السياسية المسيحية التاريخية على استعادة بعض من دورها المسلوب من بوابات اعادة التوحيد (كما بالنسبة الى حزب الكتائب)، واعادة البناء وإثبات الوجود والحضور (كما بالنسبة الى حزبي الوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية اللبنانية)، فوقع بعضها في فخ لعبة الأحجام وتقاسم السلطة وتوزيع الأدوار الداخلية، وبالغ البعض الآخر في "مبدئيته" في التعاطي بالشأن العام، على حساب ضرورة الانصراف الى اعداد جيل جديد من القيادات الشابة لتقديمها الى الرأي العام نماذج تساعد في استعادة ثقته، ومواقعها في أوساطه.

4- شهد دور الشخصيات السياسية المسيحية المستقلة، ورموز البيوت السياسية التقليدية، تراجعا ملحوظا، لاعتبارات عدة من بينها عدم قدرتهم على التفاعل المطلوب والتكيف الكافي مع حياة سياسية ديناميكية على مستوى لبنان ككل، وهو ما ساهم في إفقاد الحياة السياسية المسيحية ركنا من أركانها، وبالتالي في إضعاف الأدوات البشرية للعمل السياسي عند المسيحيين في ظل عدم قدرة الأحزاب على ملء كل الفراغات الناجمة عن تراجع التقليديين.

وهكذا تبدو أزمة الحياة السياسية عند المسيحيين في جانب منها، أزمة قدرة الأحزاب، وربما رغبتها ونيتها، على استقطاب واستيعاب ورعاية طاقات بشرية سياسية تفتقد اليها المشاريع الحزبية المطروحة، الجديد منها والمتجدد، على الرغم من أن المجتمع زاخر بهذه الطاقات التواقة الى لعب دورها وممارسة مسؤولياتها.

والخطير في هذه الأزمة، أن سلبياتها على المسيحيين لا تنحصر في ضعف تركيباتهم الحزبية، وإنما تتجاوزها الى استحالة ضمان أي من المشروعين الرئيسين المتداولين في هذه المرحلة (مشروع السلطة بقيادة العماد عون، ومشروع الشراكة الوطنية بقيادة الدكتور جعجع وحلفائه المسيحيين في 14 آذار) التوازن الوطني المطلوب من دون الاستعانة بالطاقات الفكرية المسيحية، لا سيما أن الشراكة الحقيقية والفعلية لا تقوم الا بين متكافئين… والتكافوء لا يكون صوريا ولا عدديا او بالشعارات، بل بطبقة من أصحاب الفكر السياسي تأخذ المواقع التي تستحق، وتتولى مفاصل القيادة في الأحزاب والتيارات والحياة السياسية على الساحة المسيحية، بعد طول تهميش وتهشيم، تمهيدا لتولي المسؤوليات الوطنية على غرار الطبقات السياسية الشابة التي قدمها كل من حزب الله وحركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل…

إن وضع القيادات الإسلامية السياسية أمام مسؤولياتها الوطنية والتاريخية في وجوب تصحيح أساليب تعاطيها مع التوازنات اللبنانية، من خلال الدفع في اتجاه تمثيل مسيحي حقيقي وفاعل على المستويات الوطنية والسياسية والادارية والوظيفية كافة، بعيدا عن مصادرة رأي المسيحيين ودورهم، يفترض بالقيادات السياسية والحزبية المسيحية المبادرة أولا الى تصحيح تعاطيها هي مع الكوادر المسيحية المسلوبة حقوقها في لعب دورها وتحمل مسؤولياتها في التعبير عن رأيها وصناعة حاضرها، والتخطيط لمستقبلها، انطلاقا من تضحياتها، ووفاء لنضالاتها… وإلا كيف نطلب من شركائنا ما لا نعطيه نحن لأنفسنا؟ ولماذا نريد من شركائنا أن يعطونا ما لا نعطيه نحن لأنفسنا؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل