هي أُحجية مستمرة منذ زمن يا إخوان، وبالتحديد منذ زمن ما بعد الطائف ودخول لبنان المرحلة التي سُمّيت إعادة الإعمار.
أُحجية من الطراز التيرسو باعتبار أن حلّها بسيط لأن حبكتها بسيطة، وتتلخص كلها في الإجمال في توصيف الحكومات المُجلّلة والمُكلّلة بشعار الوحدة الوطنية، أي التي تضم أو يفترض أنها تضم القوى السياسية الموجودة بغض النظر عن التقسيم الراهن الخاص بالمعارضة والموالاة.
دائماً كان الطقم السياسي المتصّدر يتمثل في تلك الحكومات التي تعاقبت منذ مطلع التسعينات الى اليوم. ودائماً أيضاً كانت المعادلة تركب بالمقلوب: اصطفاف عام في الإطار الوطني الشامل يسمح بالتمثل في الحكومة، فيما جزء من هذه الحكومة يلعب لعبة المعارضة من داخلها وخارجها على حد سواء.
وكانت تلك القوى المزدوجة الدور والوظيفة، تتحرك على وقع أي شبهة سياسية مفتعلة أو موهومة، وتتلقى التعليمة بالتحرك بواسطة الهاتف أحياناً ووجها لوجه في أحيان أخرى كثيرة… والشبهة السياسية تلك مطّاطة وفضفاضة عدا عن كونها افتراءية من الطراز الأول واستخدمت للابتزاز الآني المباشر مالياً وسياسياً لكنها، كما تبيّن وتوضّح لاحقاً، كانت جزءاً من سياق عام وكبير وخطير محوره النظر بارتياب الى مشروع إعادة الإعمار باعتبار أنه يضعضع الخط المركزي الآخذ بنا الى فيتنام فيما هو (ذلك المشروع) يستبطن احتمالات النزوح نحو هونغ كونغ؟!
لا داعي لتكرار التوصيفات الكبيرة التي لحقت بألوية الصف الثاني والثالث من الذين تولوا ترجمة تلك التوجيهات داخل الحكومة وخارجها، ولا داعي لإعادة التذكير بمحطات أساسية من العمل "النقابي"، وكيف كان ذلك العمل ترجمة دائمة لتعليمة تحدد موعد البدء بالتحرك وموعد الانتهاء منه والهدف من ورائه. صارت القصة معلومة وحزينة في أولها ومتنها وخاتمتها، ونحن في الإجمال، أيها الاخوة الأعزاء، لسنا في حاجة للتكرار فقد امتلأت جعبتنا بالكوالح وفاضت.
وبالأمس كما اليوم تركب تلك التشكيلة من جديد، وتحاول أن تأخذ بالابتزاز ما تبقى من آمال لم تتحطم وأحلام مؤجلة لم تُنفذ، بل تحاول أن تدكّ وتُبلّط بالأرض أي غفوة عين قد تنعش الحلم بقيام دولة عصية على الخراب وسلطة عصية على الاختراق والاختزال.. والأدوات ذاتها، والأساليب ذاتها. تغيّرت الأسماء والعناوين جزئياً لكن القرار المركزي بقي خلفها باركاً في مكانه لا يتزحزح حتى لو تزحزحت الأرض عن محورها.
.. حتى الموازنة العامة، وهي من دون هوية سياسية أو طائفية أو مذهبية، وخارج الاصطفاف المعلوم بين خط المقاومة وخط المساومة(!) ممنوعة من الظهور بيسر وتلقائية مؤسساتية طبيعية، ولا حاجة بعد هذا للإشارة من جديد الى التحركات الشارعية الموعودة في وجه الحكومة التي نصفها يجلس على مقاعد مجلس الوزراء ونصفها الآخر يقف خلف المتظاهرين الموعودين.
وهي أُحجية سلسة وسهلة، لكنها تبقى أحجية في زمن الوضوح الضاري والشمس الساطعة… الى هذا الحد يمكن الكلام، والسلام!