أعلن رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري أن في وقت يستعد لبنان لاستقبال أكثر من مليون سائح لهذا الصيف فإن اقتصاد لبنان يظهر مناعة كبيرة في وجه تحديات كبرى، ليس أقلها الأزمة المالية العالمية، معتبرا أن وللعام الرابع على التوالي يبلغ متوسط النمو في الاقتصاد 8%، وحيث تتابع نسبة الدين إلى الناتج المحلي تراجعها الذي بلغ الثلث تقريبا.
الحريري، وخلال افتتاح ورشة العمل بشأن "اسواق الاوراق المالية في لبنان وكيفية تطويرها" بحضور وزيرة المال ريا حفار، وزير الدولة عدنان القصار، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رئيس خبراء " ارش" للاستشارات برونو لوميير، عدد من الخبراء الماليين ورؤساء البورصات الاجنبية وحشد من الشخصيات المالية والاقتصادية والمصرفية، قال: "نحن نعلم أن للأسواق المالية دور كبير على الصعيدين الاقتصادي والاستثماري، خصوصاً لناحية تخفيض كلفة الإقتراض وزيادة رأس المال للشركات، والحد من المخاطر المالية، فهذه الأمور تساهم جميعها في تحسين المؤشرات والتصنيف المالي للبنان".
وأوضح الحريري، أن مع بروز لبنان كملاذ آمن في خضم الأزمة المالية العالمية، باتت الودائع المصرفية تساوي ثلاثة أضعاف اجمالي الناتج المحلي، مشيرا إلى أنها ليست أمور بسيطة، عندما تكون دول كبرى تواجه الأزمات والانهيارات المصرفية.
إلى ذلك، وجه الحريري التحية لحكومات الرئيسين السابقين رفيق الحريري وفؤاد السنيورة، معتبرا أنها وضعت الأسس لاقتصاد منيع تحمل العديد من الصدمات وخرج في كل مرة منها سالما معافى لا بل أكثر قوة، وأضاف: "تعلمون أن الجميع يتغنى بمناعة الاقتصاد اللبناني، لكن كل من يعرف لبنان يعلم أنها مناعة تنبع بشكل أساس من اللبنانيين واللبنانيات في الوطن وفي الانتشار، من قدرتهم على المبادرة، من مهاراتهم، من طموحهم ومن تفاؤلهم غير المحدود"، رافضا الاكتفاء بما هو قائم، ولافتا إلى أن اللبنانيين واللبنانيات تحديدا يستحقون ما هو أفضل، وقادرون على ما هو أفضل.
وأكد الحريري، إمكان لبنان توسيع رقعة النمو الاقتصادي، وجعله رافعة لمستوى معيشة اللبنانيين، بدءا بخلق فرص العمل من عكار إلى النبطية، معتبرا أن الاقتصاد اللبناني بحاجة إلى الاستثمارات المباشرة اللبنانية منها والأجنبية، خصوصا في المجالات التي يملك فيها اللبنانيون أفضلية مقارنة واضحة، وقال: "علينا أن ندرس المجالات التي يمكن للبنانيين أن ينجحوا فيها على ارض الوطن، مقدار نجاحهم فيها في الخارج، وفي هذا دور مباشر للأسواق المالية وبورصة بيروت.نحن نعرف الوجهة التي نسير عليها، كما نعرف خارطة الطريق".
وشدد الحريري أن هذه هي المرة الأولى التي تنطلق فيها حملة اصلاحات على خلفية مؤشرات اقتصادية كلية جميعها إيجابي.واليوم، لافتا إلى أن الحكومة تعمل على أربع مسارات متزامنة، بدءا من تحويل الدولة إلى مسهل للاستثمار والعمل لا عقبة في وجهه، حيث يأتي دور التشريعات المناسبة ومنها تفعيل بورصة بيروت، دور الكفاءة في الإدارة العامة، ودور الفعالية في تطبيق القانون.
ورأى أن المسار الثاني هو رفع مستوى البنى التحتية إلى ما يتناسب مع المعايير الدولية، خصوصا في مجالات الاتصالات والطاقة والنقل، معتبرا أن المسار الثالث هو في الخدمات الاجتماعية وشبكة الأمان الاجتماعي، للمساهمة في الاستقرار الاجتماعي عبر دور ناشط وفعال للدولة في الضمان والعناية الصحية والتربية، والمسار الرابع وليس الأخير، هو مسار تدعيم القوى الأمنية والعسكرية لحماية لبنان من الأخطار كافة ، بموازاة دبلوماسية نشطة وفعالة تظهر نتائجها إقليميا ودوليا.
كذلك، أبدى الحريري ثقته بأن تطوير الأسواق المالية هو ركيزة أساسية في حزمة الاجراءات الهادفة الى تطوير الاقتصاد اللبناني، مشيرا إلى أن الفرصة أمام لبنان الآن لجعله مركزاً اقتصادياً ومالياً اقليمياً، وقال: "من هنا أهمية الإسراع بتطوير السوق المالي وتفعيل بورصة بيروت، لجذب رأس المال المتدفق الى لبنان وتوفير قنوات التمويل الميسّر للشركات وروّاد الأعمال فيه".
من جهتها، رأت وزيرة المال ريا الحسن أن الورشة تتناول موضوعاً أساساً هو عملية تحديث أسواق الأوراق المالية في لبنان، بأبعاده التقنية والتنظيمية، معتبرة مشاركة الحريري وحاكم مصرف لبنان في المؤتمر هو خير دليل على الأهمية التي يوليها المسؤولون في لبنان لهذا الموضوع المهم بحد ذاته، والمهم أيضاً نظراً الى كونه أساساً في تمويل النشاطات الاقتصادية وفي تفعيل النمو.
وقالت: " لا نريد أن تبقى النتائج الأولية للدراسة التي أجرتها بعثة "ARCHE " لتطوير الأسواق المالية في لبنان وفقاً لتوصيات محددة واضحة وشاملة في أدراج الوزارة، بل نريدها بين أيديكم لمناقشتها معكم، نرحّب بكل ملاحظاتكم واقتراحاتكم بشأنها كي تكون متماشية مع تطلعاتكم وتطلعات المسؤولين كافة في القطاع المالي والمؤسسات الاقتصادية".
وأكدت الحسن ألا شك فيه أن حجم البورصة في لبنان صغير جداً مقارنة بحجم الاقتصاد اللبناني، حيثت تتم عمليات تمويل الشركات بمعظمها عبر المصارف التجارية، مشيرة إلى أنه نمط مختلف عن النمط الذي شهدته غالبية الدول التي استطاعت إحداث نقلة نوعية في اقتصاداتها الوطنية، ولافتة إلى ضرورة القيام بدراسة الخطوات والوسائل كافة التي من شأنها تحديث وتطوير أسواق الأوراق المالية.
وتابعت: "تكبير حجم الاقتصاد يشكل إحدى الاهداف الاساسية لحكومتنا، ليس فقط بهدف خلق فرص عمل وتحسين مستوى معيشة اللبنانيين ، بل أيضاً بهدف احتواء تنامي الدين العام والحد من عبئه على الاقتصاد الوطني، ومن أهدافنا الأساسية أيضاً كحكومة تفعيل كافة القطاعات الإنتاجية ، بحيث تكون جميعها مصدراً للنمو والحركة الاقتصادية ، وتطوير الأسواق المالية يصب في هذا الاتجاه ، إذ أن من شأنه توفير التمويل لمختلف النشاطات والقطاعات".
إلى ذلك، رأت الحسن أن أحد الدروس الأساس التي استخلصت من الأزمة المالية العالمية الأخيرة هو أهمية وجود رقابة فاعلة تواكب عن كثب التطورات المستجدة، مؤكدة ضرورة وضع إطار عام يرعى عمل أسواق الأوراق المالية والذي يناقش حاليا في اللجان النيابية، من أجل انشاء هيئة وطنية تتمتع بالاستقلالية، ومؤسسات مستقلة خاصة لإدارة وتشغيل البورصات، وانشاء محكمة خاصة بالاسواق المالية، ولجنة للعقوبات، لافتة إلى ضرورة وضع قانون يعزز فاعلية الاسواق المالية ويؤمن الشفافية ويحفظ التوازن في آن واحد.
وأضافت: "بموازاة وضع أطر تشريعية ورقابية سليمة، علينا أن لا نغفل ايضا اهمية التثقيف المالي وهو أساسي لأي سوق مالية تنافسية. فتطوير الصناعة المالية يتطلب ليس فقط تعدد الجهات التي توفّر الخدمات، بحيث يختار المستهلك من بينها، ولكن يستلزم أيضاً أن يكون هذا المستهلك مطلعاً ومثقفاً مالياً لكي يتمكن من اتخاذ قراره بوعي، ومن اعتماد الخيار الأنسب له. فالمستهلك المطلع على مفاهيم المخاطر والفائدة المركبة والتضخم يمكنه ان يفهم بطريقة أفضل ما هو معروض عليه، وأن يكشف أي محاولة لاستغلاله أو خداعه، وبالتالي من المهم جداً أن نولي هذا الجانب أهمية قصوى، اذ أنه يكمّل الجهد الرقابي الذي تقوم به السلطات، ويوفر ثقة أفضل بنظامنا المالي".
وشددت الحسن على أن تطوير السوق المالية ستكون له انعكاسات ايجابية لجهة توفير بدائل تمويل مكمّلة للعمل المصرفي، والذي من شأنه زيادة القدرات الاستثمارية للوحدات الاقتصادية، ورفع امكاناتها للتوسع واعادة الهيكلة من حيث زيادة حجم الأموال الخاصة، بالإضاة إلى ان تطوير الأسواق المالية يشجع الشركات على فتح رساميلها لتزيد قدراتها الانتاجية والتصديرية بعد انجاز كل مستلزمات الشفافية والادارة الحكيمة والمحاسبة، حيث بإمكانه ايضا مواكبة عملية الخصخصة من حيث تأمين مشاركة واسعة للجمهور في الاكتتابات وعدم حصرها في مجموعات محددة.
إضافة إلى ذلك، اعتبرت الحسن أن تطوير الأسواق المالية يمكّن لبنان أيضاً من فتح مجالات متنوعة للإدّخار ضمن محفظات متخصصة في مجالات عدة، من خلال سندات وأدوات مالية متنوعة، وتابعت: "كما أننا نراهن على تحفيز الاستثمارات وخلق فرص لجذب الرساميل في مشاريع انمائية ذات مردود، تتعلق بقطاعات البنى التحتية والطاقة والمياه والبيئة وغيرها، مؤكدة وجود إصلاحات مهمة في النظام المالي العالمي، حيث أمام لبنان اليوم فرصة لمواكبة هذا التطورات، ومبدية ثقتها بالاستفادة من هذه الفرصة والبناء على الثقة المتجددة في الاقتصاد لاستعادة وتطوير دور لبنان المالي المميز في المنطقة.