دخلت إيران، بعد العقوبات، مرحلة جديدة ومختلفة كليا عما سبقها، وأثبت لبنان، مرة إضافية، بأن حياده عن المحاور الدولية والإقليمية، هو المدخل الوحيد لاستقراره.
لقد أثبت المجتمع الدولي مجددا أنه يمهل ولا يهمل، وقد برهن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن انتهاج الديبلوماسية لا يعني الخضوع ولا الإذعان لشروط هذه الدولة أو مطالب تلك، إنما مجرد إعطاء فرص إضافية للحلول السلمية قبل معاودة اللجوء إلى السياسات "البوشية". وما على طهران سوى التمعن جيدا بأبعاد الموقف الدولي بعد استصدار مجلس الأمن القرار 1929 الذي نص على فرض رزمة جديدة من العقوبات المشددة عليها، لأن هذا القرار هو رسالة واضحة المعالم أولا بأن المجتمع الدولي لن يسمح لإيران باستكمال برنامجها النووي وامتلاك القنبلة النووية، وبأنه ذاهب حتى النهاية في هذا المجال، ولأن العقوبات ثانيا هي مسار أكثر مما هي قرار، وهذا المسار بدأ مع استصدار القرار 1929، وستلمس طهران اعتبارا من تاريخ صدوره وبشكل تدريجي تداعيات العقوبات إن على علاقاتها الخارجية أو على أوضاعها الاقتصادية والمالية أو على سياساتها الداخلية وقدرتها على ضبط انفعالات شارعها عشية الذكرى الأولى للانتخابات الرئاسية الإيرانية التي أظهرت معارضة قسم كبير من الشعب الإيراني لتوجهات النظام ورغبة هذا الشعب في التغيير.
التصميم الأميركي – الدولي على متابعة العقوبات والمحكمة والسلام
وما ينطبق على مسألة العقوبات على إيران لا بد أن ينسحب عاجلا أم آجلا على ملفي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والسلام الفلسطيني – الإسرائيلي، إذ من الواضح أن ثمة تصميما أميركيا على إعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط وإنهاء حقبة الحرب الباردة الإقليمية التي امتدت لأكثر من عقدين بعد انتهاء مفاعيلها الدولية. ومن الواضح أن هناك نوعا من التلازم بين المسارات الثلاثة: العقوبات، المحكمة والسلام. فمآل العقوبات في نهاية المطاف سيفضي إلى إعادة تحجيم دور طهران وإعادتها إلى وضع ما قبل سقوط نظام صدام حسين في نيسان 2003. وهذا لا يعني انتفاء دورها الإقليمي إنما تراجع تأثيرها وتقلص نفوذها. أما المحكمة فستوفر المظلة الواقية لحماية لبنان واللبنانيين، وستبقى سيفا مسلطا فوق رأس أي دولة تسعى إلى ضرب استقرار لبنان، وتؤشر إلى مواصلة المجتمع الدولي اهتمامه بهذا البلد، كما ستشكل سابقة على مستوى العالم العربي من أجل ردع الجريمة بوضعها حدا للاغتيال السياسي. أما السلام فهو كفيل بإعادة خلط أولويات كل دول المنطقة، هذه الدول التي اكتسبت مشروعيتها بعدما برمجت سياساتها انطلاقا من شعار "لا شيء يعلو فوق صوت المعركة". فالسلام يعني وقف استخدام القضية الفلسطينية والساحة اللبنانية، مما يعني عمليا انتهاء وظيفة حركة "حماس" و"حزب الله"، وانكفاء الدورين السوري والإيراني، وبروز حاجة لدى كل دول المنطقة من أجل التكيف مع هذا المعطى الكبير والجديد الذي سيعيد رسم معالم هذه المنطقة.
وقد شكلت العقوبات على إيران فرصة لإعادة اللبنانيين الاعتبار إلى القاعدة الذهبية والتاريخية التي أمنت الاستقرار لبلدهم والمتعارف عليها بـ "لا شرق ولا غرب"، أي تحييده عن صراعات المحاور، والتجربة أكبر برهان بأنه عندما كانت تختل هذه المعادلة كان ينزلق لبنان إلى الهاوية واللاستقرار. فالامتناع اللبناني عن التصويت في مجلس الأمن هو دليل على قدرة لبنان مجددا على تحييد نفسه عن "لعبة الأمم" كما يقول النائب وليد جنبلاط، وهذه القدرة تتطلب توافر ثلاثة عوامل أساسية:
أولا: توجه دولي واحد وموحد، وهذا ما بدا واضحا مع تصويت الدول الخمس زائد إلمانيا تأييدا للعقوبات على إيران. فهذا التوجه الموحد ينزع الغطاء عن أي محاولة من أي دولة إقليمية تسعى لاستغلال الانقسام الدولي تحقيقا لمكاسب فئوية ومصالح ذاتية، مما يردع هذه الدول ويوفر في آن الغطاء للبنان وتفهما لمواقفه التي يجب أن تأخذ في الاعتبار حساسية تركيبته المجتمعية وتنوعها.
ثانيا: التوازن في المشهد العربي والإقليمي، فلا مصلحة لسوريا بانفراط عقد التفاهم مع السعودية ولا بضرب علاقاتها المشروطة مع فرنسا والمستجدة مع الولايات المتحدة، ولا مصلحة أيضا لتركيا بالتمحور إلى جانب إيران وقطع علاقاتها مع الغرب في حين تمكنت من التحول إلى لاعب وصل يحظى بثقة معظم القوى السياسية. وقد أكد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان علاقات تركيا مع المجتمع الغربي، نافيا افتراقه عن الغرب.
ثالثا: التوازن في المشهد اللبناني: فبعد أن تيقن "حزب الله" باستحالة إعادة لبنان إلى الحضن السوري – الإيراني، وبأن سلاحه لا يبدل في المعادلة الناشئة منذ العام 2005 بين ثنائية 8 و14 آذار، وبأن لا مصلحة له في إعادة تشنيج الوضع في ظل عقوبات على إيران واستعداد إسرائيل للحرب، إزاء كل ذلك سلم بالقاعدة التي رفضها باستمرار وهي تحييد لبنان حتى في عز المواجهة مع إيران.
سيناريو دولي – عربي – محلي تخريجا للموقف اللبناني
ولعل ما حصل داخل مجلس الوزراء من تصويت بالتساوي بين محور يضم 14 وزيرا مؤيدا لموقف الامتناع ومحور آخر يضم 14 وزيرا رافض للعقوبات على إيران، هو أبلغ دليل على وجود سيناريو مركب بين الرباعي سوريا والسعودية وإيران وتركيا ومنسق مع الثلاثي الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي ومترجم بين القوى المحلية بشكل لا يوحي بغلبة فريق على آخر.
فما جرى لا يُمّكن دمشق من "بيعه" للولايات المتحدة، لأنه حصيلة توافقات عربية وتفهم إيراني – تركي واغطاء دولي. إنما المهم في عملية التصويت داخل مجلس الوزراء هو النتيجة، أي الامتناع، أكثر من مؤشري تموضع الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط. فالزعيم الدرزي، وبخلاف كل التأويلات، لا يستطيع التموضع في مواجهة بيت الوسط -السعودية، وهو ما زال يستظل التفاهم السوري – السعودي، بخلاف الرئيس نبيه بري الذي "طحل" الدنيا بالـ "س – س"، فإذا به اليوم ينادي بالتفاهم التركي – الإيراني، بينما رئيس الجمهورية، وفق أوساطه، أراد بموقفه توفير التوازن بين محوري الممانعة والاعتراض، وبأن هذا الموقف يشكل ترجمة عملية لموقعه الوسطي ودوره بعدم ترجيح كفة فريق على آخر، علما أنه ثاني خروج فعلي للرئيس سليمان من موقعه التوافقي بعد تسليمه بثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة".
الاعتراض على إخراج الامتناع: رفع صوت ورفع عتب
أما لجهة الأصوات المعترضة التي ظهرت في اليومين الأخيرين، فما هي إلا لرفع الصوت والعتب إزاء جمهور "8 آذار" تلافيا لأي شعور بالخيبة والاحباط. فلو كان، على سبيل المثال، ثمة نوع من إيعاز سوري بالتصويت ضد العقوبات لكان النائب وليد جنبلاط بدل، ربما، في موقفه. واللافت أنه لم يسجل أي سجال مع النائب جنبلاط الذي كان أول من دعا إلى امتناع لبنان في مجلس الأمن قبل نحو أسبوع من التصويت على العقوبات. ولو كان ثمة توجه صارم لدى "حزب الله" لكان مهد لهذا الموقف وأدخل البلاد في سياق توتيري وتصعيدي، عوضا أن يكتفي بالتصويت المعارض داخل مجلس الوزراء وإطلاق بعض المواقف المنددة، وإصدار بيان سياسي وصفي وتنفيسي في آن. واللافت في هذا المجال ما نقلته صحيفة "الأخبار" على لسان السيد حسن نصرالله بعد لقائه الرئيس سعد الحريري حيث أكد نصرالله "ضرورة محافظة لبنان على صداقاته العربية والدولية والإسلامية". وهو أول موقف من هذا النوع يصدر عن "حزب الله" وأمينه العام، ما يقتضي التوقف عنده ومتابعته لمعرفة ما إذا كان يمكن البناء والتأسيس عليه، لأن أخذ الحزب في الاعتبار مصالح لبنان مع المجموعة العربية والأسرة الدولية هو تطور جديد، باعتبار أن أي موقف بالتصويت ضد العقوبات كان رتب على لبنان إجراءات مستقبلية، وهو الموقف الذي تم إبلاغه صراحة إلى كل من العواصم التركية والبرازيلية واللبنانية.
الوقوف ضد الشرعية الدولية قد يدفعها للتنصل من القرارات المتعلقة بالقضية اللبنانية لبنان لا يمكنه الوقوف ضد قرارات مجلس الأمن ليس فقط انطلاقا من حرصه على استظلال الشرعية الدولية، إنما انطلاقا أيضا من رزمة القرارات الدولية المعنية بالقضية اللبنانية من الـ1559 إلى1701 وما بينهما 1757 و1680، هذه القرارات التي يصدر مجلس الأمن تقارير دورية بشأنها ويتحين الظروف الموضوعية لتنفيذها والمناسبة لتطبيقها.
ولكن في مطلق الأحول لا بأس من متابعة مجريات بعض المحطات لتبيان ما إذا كان للـ"امتناع" من تداعيات سياسية بدءا من وقف أو استكمال بحث مشروع الموازنة مرورا بما نتائج القمة الرئاسية اللبنانية السورية التي شهدتها دمشق في 15 الجاري وصولا إلى التئام طاولة الحوار وما سيصدر عنها والإضراب العمالي العام في 17 الجاري. غير أن المؤشرات الأولية تفيد أن "قطوع" العقوبات مر بسلام على لبنان، وهذا لا يمنع أن تنسحب عدوى العقوبات على عدوى المحكمة مستقبلا. ولا بد في هذا السياق من العودة السريعة لاحداث 7 أيار 2008 من أجل استخلاص العبرة الأساسية لتلك الأحداث والتي يمكن اسقاطها على ما أعقبها من أحداث وتطورات وصولا إلى العقوبات، والعبرة هي أن الوضع اللبناني تم تجميده وتحييده بقرار دولي.
لا شك أن المخرج الذي تم ترتيبه بعناية ودقة على الطريقة اللبنانية في استعادة لمفهوم التسوية التي قام ويقوم عليها النظام اللبناني أدى إلى تحصين الساحة الداخلية، وأثبت أن الحياد الإيجابي بين الموقف العربي المنقسم والمحاور العربية والإقليمية والدولية المتعددة هو المخرج الخلاصي للبنان.