#adsense

أبعاد مسيحية وسورية للاستقبالات في العاصمة الفرنسية

حجم الخط

استفراد قوى سياسية كالسابق يستدعي رسائل ديبلوماسية
أبعاد مسيحية وسورية للاستقبالات في العاصمة الفرنسية

حين استقبلت الخارجية الاسبانية قبل مدة رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب العماد ميشال عون في مدريد، لم يخف سفراء في المجموعة الاوروبية عدم تحبيذهم لهذه الخطوة انطلاقا من فتح الباب امام حتمية دعوة اسبانيا ممثلي كتل اخرى لزيارتها، خصوصا المسيحيين منهم، علما ان الدعوات شملت اكثر من رؤساء الكتل المسيحية. وكان الامر مصدر عدم ارتياح نظرا الى اعتبار آخر يتمثل في ان مثل هذه الاستقبالات يمكن ان تسحب من الدول الاوروبية او الغربية عموما ورقة مطالبة سوريا بالكف عن استخدام التعامل مع لبنان من خلال فتح ابواب جانبية مع نواب وسياسيين لبنانيين تتعامل معهم دمشق تحت ذريعة العلاقات العائلية بين الشعبين على نحو مواز للسلطة اللبنانية، وفق ما كان يجري في السابق من حيث امتلاك دمشق القدرة على التحكم في الوضع من خلال هذه العلاقات المباشرة والشخصية، في حين ان التعاطي ينبغي ان يتركز على نحو رسمي وبين المؤسسات وعدم تجاوز هذه الاخيرة او جعل حلفاء دمشق سلطة رديفة لسلطة مؤسسات الدولة. كما ان الامر يمكن ان يحرج دولا اوروبية اخرى متى طلب زعماء لبنانيون زيارتها ولقاء مسؤولين فيها علنا، إن من حيث اضطرارهم الى اعتماد مبدأ الشمولية في الدعوات او الاستقبالات، فتطول هذه الاخيرة غالبية الزعماء او رؤساء الكتل النيابية، او من حيث اضطرارهم الى خرق مبدأ رسمي وبروتوكولي عبر هذه الاستقبالات غير المعهودة.

لذلك فان استقبال العاصمة الفرنسية قبل يومين لرئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" سمير جعجع، على رغم اندراجها ضمن جولة شملت دولا عربية واوروبية، وضعتها مصادر سياسية في اطار عاملين:

الاول يتصل بسوريا في الدرجة الاولى باعتبار ان استقبال مسؤولين فرنسيين لجعجع، والذي تزامن واستقبال الرئيس السوري بشار الاسد لنظيره اللبناني ميشال سليمان في دمشق، يفيد بعدم رضى باريس عن عدم التزام سوريا وعودا كانت قطعتها للعاصمة الفرنسية من حيث التزامها عدم التدخل في شؤون لبنان، إن من حيث تصنيف اللبنانين او استهداف البعض منهم على مواقفهم متى كانت متناقضة مع مواقف افرقاء لبنانيين آخرين. وهي الرسالة التي تفيد بوعي العاصمة الفرنسية هذا الواقع وعدم تجاهله ولو ان القيادة السورية لا تتقدم الى الواجهة في هذه المسألة، كما تفيد الرسالة ان العودة الى السابق غير مقبولة، وهو الامر الذي يسري على زيارات جعجع للعواصم الاخرى اذ ان لها مغزى من حيث توقيتها. وهذا المغزى يكمن في واقع ان استفراد قوى معينة كما جرى في السابق غير مسموح، مثلما هو الامر بالنسبة الى عدم التدخل مجددا في لبنان وشؤونه الداخلية واللعب على توازنات القوى السياسية فيه. وكانت الاستهدافات من جانب قوى وشخصيات حليفة لسوريا لرئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" اعادت الى الواجهة سيناريوات العام 1994 واستدرجت سيناريو آخر في المقابل يواجه هذه الاستهدافات ويفترض ان يضع حدا لها من حيث المبدأ. والواقع ان الامور ليست متروكة على غاربها في لبنان، وهي لا تزال تحت المراقبة والمتابعة على حد سواء وإن بنسب مختلفة عن الاعوام الاخيرة.

وتجدر الاشارة الى ان ابرز التحفظات الاميركية عن تطور الحوار مع سوريا يتصل بعودتها الى محاولة استرجاع نفوذها في لبنان من خلال اعتماد الآليات نفسها كما في الماضي وبالطموحات نفسها، بغض النظر عن مدى القدرة على ذلك او مدى الدعاية ومقدارها في مثل هذا الامر الذي يساهم في استسلام المعنيين للواقع القديم المستجد.

وقد حملت هذه الزيارات لرئيس الهيئة التنفيذية ابعادا باعتبار ان تحضيرات رسمية كانت تجرى لزيارة زعماء ومسؤولين آخرين، فيما قفزت الى الواجهة زيارة لجعجع لم يتوقعها كثر، ولبعض العواصم تحديدا. اضف الى ذلك ان البعض اعطى بعدا اضافيا لوجود البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير في باريس تزامنا مع زيارة جعجع، وهو البعد المتصل بخصوصية الوضع المسيحي وضرورة عدم المس به خصوصا متى كان تعبيرا عن الرأي مخالفا لرأي الآخرين من حلفاء دمشق.
والامر الآخر يتصل بما سبق ان ابلغ به بعض الزعماء اللبنانيين وما شكلته زيارة جعجع لباريس في هذا الاطار. وفي ضوء سعي الرئيس السوري منذ بضعة اشهر الى تأمين استقبال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للعماد ميشال عون وتمييزه على نحو مختلف عن زعماء الكتل النيابية اللبنانية الى حد تكريسه الزعيم المسيحي الاساسي في وجه بكركي وسائر القوى الاخرى، بمن فيهم موقع الرئاسة الاولى، مثلما سعت دمشق الى القيام بذلك، فان الرسالة الفرنسية هي ان استقبالات الاليزيه محصورة بالرؤساء وبالبطريرك الماروني متى كانت تتعلق بالرئيس الفرنسي، في حين ان زيارات الزعماء المسيحيين سيتم التعامل معها على مستوى وزارة الخارجية الفرنسية، ويمكن الراغبين من هؤلاء ممن يحتفظون بعلاقات مع مستشاري ساركوزي ان تفتح ابواب الاليزيه لهم، لكن ليس للقاء الرئيس الفرنسي.

وتاليا فإن في هذه المسائل الصغيرة الكثير من الاشكاليات اللبنانية الداخلية الطوائفية، اذا صح التعبير، وكذلك من الاشكاليات المتعلقة بالعلاقة مع سوريا وفق ما تظهر جميع المؤشرات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل