#adsense

السياسة بين الغباء والمزايدة!

حجم الخط

كتبت ميرفت سيوفي:

عندما قرر النائب وليد جنبلاط العودة إلى لغة فلسطين والعروبة، استعاد من جملة ما استعاد من "خشبيات تلك اللغة تقنيته السياسية، والتي زل لسانه عندما كشف تكتيكها بأنها مجرد مزايدة، ومن خشبيات تلك المرحلة في ستينات وسبعينات القرن الماضي استعاد وليد بيك "الإشتراكي – الأرستقراطي ـ الإقطاعي" وهي خلطة عجيبة، استعاد من "أدبيات" تقسيم اللبنانيين إلى معسكرين كلاهما لم يعد موجوداً، فلا يسار شيوعي سوفياتي يقف اليوم في مواجهة معسكر اليمين لبناني، يتجاهل وليد بيك أن الخارطة السياسية للمعسكرات الدولية انهارت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، ونظن أن الاشتراكية الدولية التي اعتاد جنبلاط الحديث عنها هي من أكثر داعمي لبنان السيد الحر المستقل، لا لبنان الذي يريد جنبلاط إيقاعه في مغطس محاور المنطقة الإقليمية!!

يحتاج وليد جنبلاط إلى تعويم نفسه سياسياً، وإلى "فتح مشكل" مع مسيحيي 14 آذار تحديداً ليحسن وضعه السياسي ويعيد الالتفاف الدرزي من حوله على طريقة ثمانينات القرن الماضي، وهو مدرك حجم القلق الدرزي من تحويله رؤوس جبل الباروك إلى منصات للصواريخ، وحتى الساعة يفشل في جرهم إلى "مشكل" لأنهم قرروا عدم الانجرار إلى هذا الفخ!! فجنبلاط استعاد صورته القديمة في مهاجمة الآخرين، فتصريحاته في ثمانينات القرن الماضي لاتزال ماثلة في الذاكرة في حملاته المتتالية على البطريرك صفير والمفتي حسن خالد ورئيس الحكومة الراحل رشيد كرامي ورئيس الجمهورية أمين الجميل وصولاً إلى هجومه على اتفاق الطائف، فالثلاثي الذي وقف ضد اتفاق الطائف عام 1990 كان ميشال عون ووليد جنبلاط وحزب الله…

لم يعد كلام "البيك" يثير ردود فعل عند اللبنانيين، بسبب اعترافاته الصادقة التي انقلب عليها، وعاد إلى اختيار ما أسماه وضع الغشاوة على عينيه، فجنبلاط لم يستفز أحداً عندما وصف "اليمين في كل العالم بالغباء، وأن اليمين اللبناني الأكثر غباء"، وحتى نفهم جيداً استراتيجية جنبلاط الجديدة في انقلابه على نفسه وعلى الداخل اللبناني، علينا استخراجه من كلام جنبلاط نفسه، ففي حديث له منذ أشهر لجريدة "الرأي" قال جنبلاط مهاجماً حليفه السابق سمير جعجع: "جعجع يكشف نفسه يوماً بعد آخر ويستخدم كلاماً مقلقاً، ولا يريد أن يتعلم من تجربة الماضي، لو كنت مكانه، لالتزمت الصمت أو لزايدتُ على كلام المقاومة"!!

ولم ينسَ جنبلاط يومها تهديد الوجود المسيحي بـ"تطفيشه من لبنان" مبطناً بكلامه تساؤلاً تهديدياً: "إذا استمرّ كذلك – أي جعجع – فلا أعرف كيف يمكن المحافظة عندئذ على ما بقي من وجود مسيحي في لبنان. إذا دبّت الفوضى فستهاجر البقية، عندئذ ماذا سيفعل الآخرون"..

رأيه الجديد في ما أسماه اليمين اللبناني من "خشبيات عهد الاشتراكية السوفياتية البائدة"، "كل يمين في العالم غبي فكيف باليمين اللبناني السخيف الذي لم يتعلّم من دروس التاريخ شيئاً؟" – صح النوم يا بيك لم تعد المزايدة على فلسطين تنفع في زمن الانقسام الفلسطيني الذي يدمّر القضية بيديه، وصح النوم يا بيك فالعروبة تعفنت من كثرة ما نعف فساد الأنظمة "العروبية" فيها، أما "أسلوب المزايدة والتحريض بالقول: "مجرد القول إن سلاح المقاومة هو ذريعة للعدوان، فإن هذا الشخص أو هذه الحال تحرض على العدوان على لبنان لا أكثر ولا أقل"، وشدّد على أن "سلاح المقاومة هو ضمانة للدفاع عن لبنان والانتصار، تحت شعار الشعب والدولة والمقاومة (…) أما مَن يذهبون ويقفون على المنابر العربية والآن الدولية لمجرد التحريض فأسألهم لماذا لا نناقش بهدوء الموضوع على طاولة الحوار ونستفيد من هذا السلاح» وسقى الله أيام اعتبر جنبلاط أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته "المرحومة" الحركة الوطنية هو عزل حزب الكتائب، فإذا به يعود إلى الزمن الحجري لمفردات مجها اللبنانيون ليتهم الآخرين من الانعزالية فيهاجم"أصحاب الأفق الضيق والمتآمر والغبي والانعزالي".

ولم ينسَ البيك أن يتحسر لأن إيران لم تستقبله حتى الآن.

ما لم يفهمه وليد جنبلاط أيضاً أن ثمّة فارقاً كبيراً بينه وبين كثير من اللبنانيين وقياداتهم السياسية يرفضون أن يكونوا مجرد مزايدين و"طبالين زفة" في الدفاع عن سلاح حزب الله، وأن الغباء كل الغباء في أن يظن المزايدون الذين يريدون من الآخرين أن يصمتوا أو يزايدوا مثلهم أن اللبنانيين أو حزب الله أو إيران وسواها يصدقون مزايدتهم وأنهم لا يعرفون أنهم و"على حسب الريح ما يودّي الريح" ستتبدّل بوصلة مزايدتهم… أليس غباءً أن يمارس البعض السياسة واستراتيجيته الوحدة فيها "المزايدة"، وهذا هو الاسم "المهذب والتجميلي" لمصطلح "نفاق سياسي"… و"على حسب الريح ما يودّي الريح.. وياه أنا ماشي.. ماشي ولا بيدّي"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل