ما يقلق دمشق حقيقةً هو مستوى اللقاءات التي تتمّ في الجولة التي بدأها د. جعجع من مصر وشملت بالإضافة اليها فرنسا، حتى الساعة، وفي اللقاءات المذكورة ومن ما يقال بعدها يمكن للمراقب ان يستشفّ ان جولة جعجع وزيارات السنيورة والبطريرك صفير، والكلام الذي يتردد فيها، يدور حول الإستراتيجية الدفاعية وسبل إعادة قراري الحرب والسلم في لبنان الى الدولة ومؤسساتها الشرعية، وهذا تحديداً مبعث القلق السوري وأوّل اسباب التوتّر الإلهي والذين يظهران على مدار الساعة في أكثر من موقع ومكان ؟
وحديث صحيفة الوطن السورية اليوم وتوقّعها حجب ايّ نقاشات حامية سبق ان شهدتها جلسات الحوار السابقة (بسبب غياب السنيورة وجعحع) يخفي توتّراً باطنياً مردّه الى انّ هذه النقاشات تدور اليوم في عواصم القرار ومع الدول الفاعلة، بعد التيقّن من انّ موازين القوى في الداخل اللبناني وسلاح حزب الله يمنعان القرارات الحاسمة في هذا الشأن، والتدخّل السوري قادر على منع تنفيذها كما رأينا في مقررات الطاولة الأولى عن ترسيم الحدود وضبطها وإيجاد حلّ للسلاح الفلسطيني خارج المخيّمات ؟
وفي مواجهة ما يجري بحثه في القاهرة وباريس وبرلين، وكلام البطريرك صفير (امام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النوّاب الفرنسي) عن قدرة حزب الله على إدخال السلاح الى لبنان بدعم عربي (والمقصود سوري) تخرج دمشق وحزب الله كلّ ما في جعبتهما من اسلحة، في الهجوم الشخصي على البطريرك والسنيورة وجعجع، وفي التلويح بوجه رئيس الحكومة وعرقلة كلّ مساعيه لإنطلاق حكومته في إقرار الموازنة والمشاريع، وفي التصعيد المبرمج على عتبة صيف واعد ينتظره لبنان واللبنانييون بفارغ الصبر والأمل .
وآخر ما سجل في هذا المجال كان إستقبال " عمرو ناصيف "، الذي اجرى المقابلتين مع الرئيس الأسد والسيّد نصر الله، الرفيق إبراهيم الأمين في حلقة على المنار خصصت للهجوم على مصر والسنيورة وجعجع والتهويل ضد رئيس الحكومة ؟ !
وقد استخدم الأمين فعل " تقرط ويقرطوا " اكثر من عشر مرات في المقابلة المذكورة ! قبل ان يستنتج ان الرئيس سعد الحريري جزء من برنامج وعضو في فريق ! وانه يستطيع ان ينزل من البوسطة ويذهب الى بيته ! إذا لم يستغلّ الفرصة المتاحة امامه للإنطلاق بمشروع آخر (لم يحدده الأمين ؟ ) وإن كان المكتوب يقرأ من عنوانه ؟ قبل ان يصف فريق 14 آذار بـ " شوية مجانين " يحاولون اخذ البلد الى مكان آخر !!
وقد اشكل على المحلل " الأمين " فإتّهم وزير الخارجية المصري بأنه قال ان سمير جعجع مفكّر، وشتمه ! فيما الحقيقة ان امين عام الجامعة العربية هو الذي أطلق الصفة المذكورة على د. جعجع لأنه يرى حقيقة المخاطر المحدقة بلبنان ويسعى الى تجنّبها .
ويبقى ان مؤشرات الجولات الخارجية لأركان 14 آذار تؤكد المؤكد وفيه بداية اليأس الدولي من إمكان فكّ سوريا لإرتباطاتها العضوية مع ايران ؟ وبدايات البحث عن سبل اخرى لتطبيق القرار 1929 ومنع طهران من مدّ اذرعها الإستراتيجية بما تحتاجه دورياً ؟ وهذا حصراً هو مبعث القلق السوري من العودة الى العزلة، والإلهي من فقدان الموارد الإستراتيجية الضرورية للإستمرار … والتقدّم .