#adsense

الصراع على شرقيّ البحر الأبيض المتوسط… ما تجمعه الجغرافيا تفرّقه السياسة

حجم الخط

كتب د. نبيل سركيس للمركز اللبناني للمعلومات: ليس خافيا" على أحد أنّ حادثة الٳعتداء الدموية الٳسرائيلية على "اسطول الحرية" المتوجّه الى قطاع غزة للٳغاثة في 31 ايار الماضي، ليست معزولة" عن ما تتلبّد به المنطقة من غيوم تأخذها الى شفير الهاوية.

وٳذا كان عنوان الصراع الحالي في منطقة الشرق الأوسط يدور حول الملف النووي الٳيراني وتداعياته على مجمل الوضع في هذه المنطقة، خصوصا" بعد تصويت مجلس الأمن الدولي الأخير على فرض عقوبات على ايران، فهذا لا يلغي وجود عدة ملفات ساخنة أخرى والعديد من الصراعات الٳقليمية ساهمت الأزمة الأكبر بين ايران والمجتمع الدولي في حجبها مؤقتا". فأهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة تجعل منها باستمرار ساحة اثبات أحجام وتضارب نفوذ ومصالح وسباق على السيطرة وفرض الذات وحجز الدور كلاعب أساسي على امتداد رقعة هذه المنطقة.

ومن ضمن هذا الصراع على السيطرة يظهر الى العلن مؤخّرا" ما يمكن تسميته بالصراع التركي الٳسرائيلي، والذي كان خفيّا" في المرحلة الماضية، بسبب التزام الحكومات التركية المتعاقبة دعم السياسات الغربية في المنطقة خصوصا" الأميركية، والحرص على الحفاظ على علاقات قوية مع اسرائيل وصلت الى حدّ وضع البعض هذه العلاقات في خانة الحلف الٳستراتيجي. اما اليوم، وبعد فشل التوجّه التركي نحو اوروبا نتيجة" للرفض المستمر لتركيا عضوا" في المجموعة الأوروبية، بدأ هذا التمايز بين هذين اللاعبين الٳقليميين يبرز أكثر وأكثر وفي أكثر من ملف، ولا شيء يمنع أن يصل الى حدّ الخلاف والفراق.

هذا ويشكّل هذا الصراع جزءا" من التنافس الٳقليمي الأكبر بين تركيا وٳيران وٳسرائيل على الدور الٳقليمي وبسط النفوذ على شرقيّ البحر الأبيض المتوسط وصولا" الى آسيا الوسطى، وذلك في ظلّ غياب أيّ دور عربي فاعل ووازن على مستوى المنطقة وقضاياها.

ٳنّ موقع تركيا الٳستراتيجي بين القارتين الآسيوية والأوروبية يعطي جغرافيتها السياسية أهمية" فائقة ليس أقلّها تشكيلها معبرا" دوليا" اجباريا" الى المنطقة، اضافة" الى اعتبارها نافذة" أساسية لدول الٳتحاد الروسي وبعض دول اوروبا الشرقية وآسيا على المياه الدافئة بحكم حدودها الكبيرة على البحر الأبيض المتوسط.

فالصدام التركي الٳسرائيلي الأخير ليس مستغربا" ويجب التمعّن أكثر في توقيته وفي انعكاساته على مجمل الوضع في منطقة الشرق الأوسط بملفاتها الساخنة، خصوصا" مع التوجّه التركي الجديد بالتزام القضايا العربية والٳسلامية ولا سيما القضية الفلسطينية في ظلّ دعم الشارع التركي في اسلاميته المتجددة لتوجهات رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان.

فهل ما يجري اليوم هو استهداف اسرائيلي لتركيا ودورها العربي والٳقليمي الجديد عن سابق تصور وتصميم، وبطريقة دموية غير متوقّعة؟ وكيف سيكون الردّ التركي على المدى القريب والمتوسط؟ هل ستقرّر انقرة الٳنكفاء عن دورها السياسي في شرقيّ المتوسط أم أنّها ستمضي قدما" في المواجهة مع تل أبيب حتى تجبر حكامها على التسليم بمصالح تركيا الحيوية، فتفرض نفسها لاعبا" اساسيا" لا سيما من خلال وساطتها في الملف النووي الٳيراني والتغطية السياسية التي توفرّها الحكومة التركية لكل من سوريا ولبنان ومن خلال دعمها للقضية الفلسطينية؟.

ويرى البعض أنّ استهداف اسرائيل لتركيا في مياه المتوسط تعتبر اشارة ردّ على الوساطة التركية المتقدمة في الملف النووي الٳيراني والتي اعترضت عليها اسرائيل منذ اللحظة الأولى معتبرة" التجاوب الٳيراني في هذا الخصوص لا يعدو كونه خدعة هدفها كسب الوقت ليس ٳلا. وقد جاء ردّ فعل الٳدارة الأميركية بزعامة باراك اوباما على اعتداء المتوسط، ومن اللحظة الأولى، ليخفف من وطأة الهجوم الٳسرائيلي على سفن الٳغاثة وليحول دون أي إدانة او محاكمة دولية لمنفذيه. وهذا ما جعل وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو يتوجه الى مجلس الأمن لمتابعة تداعيات الٳعتداء الٳسرائيلي بحق ركاب اسطول الحرية، بدلا" من الذهاب الى واشنطن للاستماع الى الموقف الرسمي الأميركي من اتفاق طهران حول تخصيب الأورانيوم.

وما يثبت صحة هذا الٳستنتاج هو استصدار مجلس الأمن، بعد أيام قليلة على الٳعتداء الٳسرائيلي على قافلة الٳغاثة، قراره رقم 1929 الذي ينصّ على فرض رزمة جديدة من العقوبات المشدّدة على ايران. حيث أن هذا القرار يشكّل رسالة واضحة المعالم بأنّ المجتمع الدولي لن يسمح لإيران باستكمال برنامجها النووي وامتلاك السلاح النووي، وبأنه ذاهب حتى النهاية في هذا المجال متجاهلا" الدور التركي، غير آخذا" في الحسبان اتفاق طهران الموقع في 17 أيار الماضي بين الثلاثي الٳيراني التركي البرازيلي والخاص بتخصيب نسبة من الأورانيوم والذي تأخّرت الإجابة الأميركية عليه لتصل واضحة" على متن القرار الدولي، مما ينذر بٳعادة الأمور في المنطقة الى الوضع المأزوم أصلا" والقريب من حافة الحرب.

بناء" على ما تقدّم هل ستضطر الدبلوماسية التركية الى التراجع والٳلتزام بالحدود التي رسمها المجتمع الدولي من خلال قرار مجلس الأمن الأخير في شأن العقوبات على أيران، والبحرية الٳسرائيلية بغطائها الأميركي الدائم، والتي استهدفت في ما استهدفت الٳنتشار السياسي التركي في المنطقة؟ أم ستعتمد تركيا سياسة واقعية تراهن عليها الولايات المتحدة الأميركية من اجل اطلاق مفاوضات السلام في المنطقة، لما لتركيا من تأثير على طرفين أساسيين على الأقل في هذه العملية هما سوريا والأفرقاء الفلسطينيين المعارضين للسلطة الفلسطينية وفي طليعتهم حركة "حماس"؟ أم أنّ تركيا ستعود الى أحلامها الأمبراطورية وستعمل على تأكيد دورها واستغلال حادثة الٳعتداء هذه لمحاولة رفع الحصار عن قطاع غزة وهو ما عجزت عنه الأنظمة العربية قاطبة"؟، فيغدو عندئذ رجب طيب اردوغان زعيما" اسلاميا" وعربيا" بلا منازع لا سيما بعد أن ألهب خطابه الناري غداة الٳعتداء الاسرائيلي مشاعر الجماهير العربية من المحيط الى الخليج.

وبغض النظر عن حملة الإدانة التي أثارها هذا الٳعتداء الدموي في أوساط الرأي العام العربي والغربي، فٳنّ هذا الٳعتداء يظهر، ومن الناحية العملية، اسرائيل وكأنها باشرت حملة" عسكرية وسياسية مضادة، تخرج جيشها من حالة الدفاع عن جبهته الداخلية التي يرزح تحتها منذ سنوات، الى حالة الهجوم على الجبهة التركية لتصيب أيضا" من خلالها إيران وسوريا ولبنان في آن معا"، ولتبلغهم أنّ الحرب ليست خيارا" صعبا" بالنسبة الى الٳسرائيليين الذين أنهوا للتو مناورات عديدة شملت مختلف الجبهات والاحتمالات.

يضاف الى ذلك أنّ الردود العربية على الٳعتداء الإسرائيلي على قافلة السلام المتوجهة الى قطاع غزة، لم تكن على مستوى خطورة وأهمية الحدث. وحتى التحركات على مستوى الشارع العربي، كانت خجولة في الوقت الذي استمعت فيه الشعوب العربية لما كان يقوله رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان بعد أن اعتكف أي رئيس أو زعيم عربي عن اتخاذ موقف يواكب الحدث، كما لم تتحرك أي حكومة عربية لتمارس ضغطا" على المجمتع الدولي أو على اسرائيل.

في أي حال، يبقى أنّ ما حصل لأسطول الحرية في مياه المتوسط قد يؤرّخ لحقبة جديدة على مستوى المنطقة في مرحلة شديدة الخطورة، عنوانها الصراع على النفوذ والسيطرة بين أقطاب ثلاثة غير عرب على منطقة يغلب عليها الطابع العربي وفي ظلّ غياب وانكفاء عربي مخيف ومؤسف.

خبر عاجل