مرحلة العقوبات الخطرة : إيران في قبضة الكبار
تفتيش سفن الأسلحة يفجّر مواجهات إيرانية – غربية
ثلاثة عوامل أساسية دفعت مجلس الأمن الى تبني القرار 1929 الملزم لكل دول العالم لأنه يستند الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والمتضمن عقوبات جديدة وواسعة النطاق هي الأشد والأشمل تفرض على ايران حتى الآن. وهذه العوامل هي:
أولاً – ان الدول الست الكبرى أميركا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والمانيا التي تتولى مسؤولية التفاوض مع ايران في شأن برنامجها النووي تنتابها مخاوف حقيقية، في ضوء المعلومات التي تملكها، من سعي القيادة الايرانية بكل تصميم الى امتلاك القدرات التكنولوجية اللازمة لانتاج السلاح النووي، مما يؤدي الى الانتشار النووي في الشرق الأوسط وقد يفسح في المجال لنشوب حرب جديدة ويشكل تهديداً خطراً للأمن والسلم الدوليين.
ثانيا – ان القيادة الايرانية هي التي احبطت كل الجهود الديبلوماسية لحل مشكلتها النووية سلمياً، اذ انها رفضت العروض والاقتراحات التي قدمتها اليها الدول الست الكبرى منذ العام 2006 الى اليوم، كما امتنعت عن الاستجابة لانفتاح ادارة الرئيس باراك أوباما الجدي عليها وتمسكت بمواقفها المتشددة مما يدل على أن هذه القيادة ليست راغبة في الاكتفاء ببرنامج نووي سلمي تعهدت الدول الكبرى خطياً ورسمياً دعمه والمساعدة على تطويره في اطار صفقة شاملة تتضمن وقف الجمهورية الاسلامية عمليات تخصيب الأورانيوم ونشاطاتها المختلفة لانتاج السلاح النووي. وفي رأي ديبلوماسي أوروبي مطلع ان العروض الدولية المقدمة الى ايران سخية جداً ولم تتلق مثيلاً لها أي دولة أخرى في حال صدام مع المجتمع الدولي.
ثالثا – تتصرف الدول الست الكبرى على أساس أن منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الحيوية والاستراتيجية القصوى هي مسؤولية دولية – عربية وليست خاضعة لنفوذ ايران وحلفائها. ولذلك تبدي هذه الدول تصميماً متزايداً يتزامن مع التشدد الايراني المتواصل على منع الجمهورية الاسلامية من التصرف وفقاً لحساباتها ومخططاتها في هذه المنطقة وعلى احباط استراتيجيتها النووية والاقليمية للهيمنة على ساحات رئيسية فيها، من خلال تشديد العقوبات وتكثيف الاجراءات الضاغطة والمؤثرة عليها".
هذا ما قالته لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس معنية مباشرة بالملف الايراني، ورأت أن تبني مجلس الأمن القرار1929 يظهر أن المعركة ليست بين ايران وأميركا والدول الغربية وحدها بل انها قائمة بين ايران والمجتمع الدولي عموماً، كما يظهر أن الدول الكبرى تضع الجمهورية الاسلامية أمام خيارين: اما مواصلة تحدي المجتمع الدولي ورفض وقف عمليات تخصيب الأورانيوم والنشاطات الأخرى التي تتيح لها انتاج السلاح النووي مما يؤدي الى تصعيد المواجهة الايرانية – الدولية، واما التفاوض جدياً مع الدول الست على أساس عروضها ومطالبها التي تؤمن للايرانيين حقهم المشروع في امتلاك برنامج نووي سلمي متطور وتحسين العلاقات الايرانية – الغربية – الدولية وتطمئن في الوقت عينه العالم، من خلال اجراءات محددة، الى أن ايران تخلت فعلاً عن مساعيها لامتلاك السلاح النووي. ولو كان المسؤولون الروس والصينيون مقتنعين بأن البرنامج النووي الايراني هو للأغراض السلمية وحدها لمنعوا مجلس الأمن من فرض عقوبات جديدة على هذا البلد".
كمية كافية لانتاج القنبلة
واوضحت المصادر الأوروبية المطلعة أن الدول الست الكبرى رفضت الاعتماد على الاتفاق الثلاثي المتعلق بمبادلة الوقود النووي الذي وقعته الشهر الماضي ايران وتركيا والبرازيل لاطلاق عملية تفاوض جديدة مع الايرانيين للأسباب الأساسية الآتية:
أولا – ان الاتفاق الثلاثي يدعم المطالب الأساسية لايران عوض أن يدفعها الى التفاوض جدياً مع الدول الست الكبرى من أجل عقد صفقة سلمية تشمل تخلي الايرانيين عن نشاطاتهم لانتاج السلاح النووي في مقابل تحسين العلاقات الايرانية – الغربية – الدولية في مجالات حيوية عدة. فالاتفاق الثلاثي لم يعالج المخاوف الدولية والعربية المشروعة من النشاطات النووية الايرانية ذات الطابع العسكري ولم يتضمن التزام الايرانيين وقف عمليات تخصيب الأورانيوم وهو ما تطالب به الدول الكبرى وقرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية. بل ان المسؤولين الايرانيين أعلنوا صراحة ومرارا بعد توقيع الاتفاق الثلاثي انهم سيواصلون عمليات تخصيب الأورانيوم وبنسبة 20 في المئة مما يمنحهم لاحقاً القدرة على انتاج السلاح النووي.
ثانيا- ان الاتفاق الثلاثي يتناقض جوهريا مع العرض الدولي المقدم الى ايران في تشرين الأول من العام الماضي والمتعلق بمبادلة الوقود النووي، ذلك ان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك محمد البرادعي قدم باسم الدول الكبرى عرضاً الى الايرانيين يطلب فيه ارسال 1200 كيلوغرام من مخزونهم من الأورانيوم المنخفض التخصيب والبالغ 1500 كيلوغرام دفعة واحدة وقبل نهاية 2009 الى روسيا لتخصيبه بنسبة 20 في المئة تقريباً وارساله بعد ذلك الى فرنسا لتتولى تحويله وقوداً نووياً صالحاً للاستخدام في مفاعل الابحاث الطبية في طهران، بعدما طلبت الحكومة الايرانية من الوكالة تأمين هذا الوقود النووي لها. وأرادت الدول الكبرى من هذا العرض تجميد قدرة ايران على انتاج السلاح النووي من طريق ارسال اكثر مخزونها من الأورانيوم المخصب الى الخارج تمهيداً لبدء مفاوضات جدية ايرانية – دولية توصلا الى حل سلمي للمشكلة النووية العالقة. لكن الاتفاق الثلاثي، نصّ على تخزين 1200 كيلوغرام من الأورانيوم المخصب في تركيا مدة سنة الى أن يتلقى الايرانيون 120 كيلوغراما من الوقود النووي لتشغيل مفاعلهم في طهران. والمشكلة أن هذه الكمية باتت تشكل اليوم نصف المخزون الايراني من الأورانيوم المخصب، اذ أن ايران تملك حالياً أكثر من 2400 كيلوغرام من هذا الأورانيوم وهي تنتج شهرياً 80 كيلوغراماً منه، الامر الذي يعني انها تملك الكمية الكافية لانتاج السلاح النووي بعد رفع نسبة تخصيب الأورانيوم، وهي قادرة على ذلك.
ثالثا – يظهر الاتفاق الثلاثي أن ايران تريد أن تفرض مطالبها الأساسية على الدول الكبرى ومجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية في ما يتعلق ببرنامجها النووي، عوض أن تطمئن المجتمع الدولي والمجموعة العربية الى أن نياتها سلمية وانها مستعدة للتفاوض مع الدول الكبرى على مضمون الصفقة التي تحقق لها مكاسب مهمة في مقابل وقف خططها ونشاطاتها لامتلاك السلاح النووي.
حصار بحري ومواجهات
وافادت المصادر الأوروبية المطلعة أن التقويم الدقيق لنص القرار 1929 يظهر مدى أهمية العقوبات الدولية الجديدة المفروضة على ايران وجديتها وخطورتها وذلك للأسباب الآتية:
أولا – يرفض القرار 1929 تماما الموقف الايراني الرسمي، ذلك انه يوجه تحذيراً دولياً جديداً الى القيادة الايرانية يطلب منها فيه وقف كل عمليات تخصيب الأورانيوم والامتناع عن بناء منشآت جديدة للتخصيب والتعاون تعاونا كاملا وبشفافية تامة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل تسوية المشاكل العالقة "وتبديد القلق من وجود أبعاد عسكرية لبرنامجها النووي". وكما قال ديبلوماسي أوروبي مطلع، ان المهم التوقف عند مضمون القرار 1929 وليس عند الرفض الايراني الرسمي له، اذ ان هذا القرار ملزم لكل دول العالم مما يعني أن رفض استجابة القيادة الايرانية لبنوده ستكون له عواقب وخيمة عليها".
ثانيا – يفرض القرار الدولي مجموعة كبيرة من العقوبات العسكرية والمالية والتجارية والتأمينية والاقتصادية وغيرها على الحرس الثوري الايراني "الباسوران"، أفراداً وكيانات وشركات ومؤسسات، وذلك من اجل اضعاف قدرات الحرس المسؤول عن البرنامج النووي والذي يشكل القوة العسكرية الأساسية للنظام الايراني.
ثالثا – يوسع القرار نطاق الحظر المفروض على بيع الأسلحة بحيث بات الحظر يشمل البرنامج الصاروخي والقوة العسكرية التقليدية لايران. فالقرار يمنع بيع ايران دبابات ومدرعات وطائرات حربية ومروحيات هجومية وسفنا حربية وصواريخ وأنظمة صواريخ وأنظمة مدفعية، كما يطلب القرار من الجمهورية الاسلامية وقف انتاج صواريخ قادرة على حمل رؤوس حربية نووية ويطلب من كل الدول وقف مساعدة الايرانيين على انتاج هذه الصواريخ. وهذا ما دفع روسيا الى وقف بيع ايران صواريخ أرض – جو "اس 300" المتطورة والتي يمكن أن تؤمن لها حماية من أي غارات جوية عليها.
رابعا – يفرض القرار عقوبات جديدة قاسية ومتنوعة على النظام المالي وقطاعات المصارف والتأمين والاستثمار والملاحة والأعمال في ايران مما يضعفها اقتصادياً أكثر فأكثر ويزيد حدة مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الداخلية.
خامسا – يفرض القرار حصاراً بحرياً واسعاً على ايران لا سابق له هدفه، وفقاً لديبلوماسي أوروبي مطلع، منع تلقيها مواد تساهم في تطوير برنامجها النووي وقدراتها العسكرية، ووقف عمليات ارسال الأسلحة والصواريخ الايرانية الى "حزب الله" و"حماس". فهو يطلب من كل الدول تفتيش السفن المتجهة الى ايران أو الخارجة منها اذا كانت تملك معلومات عن وجود مواد محظورة على متنها، وعلى أساس أن يتم التفتيش في المياه الدولية بعد الحصول على موافقة الدولة التي ترفع السفينة علمها، أما في المياه الاقليمية فيتم التفتيش بالتفاهم مع لجنة العقوبات الدولية. كما ان القرار يطلب من كل الدول تفتيش الشحنات المتجهة الى ايران أو الآتية منها في موانئها ومطاراتها اذا كانت تملك معلومات أنها تحتوي على مواد محظورة أي خصوصاً على أسلحة وكل ما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني. وذكر ديبلوماسي أوروبي مطلع ان هذا البند يؤمن تغطية دولية شرعية لأميركا ولدول غربية أخرى لتفتيش السفن المتجهة الى ايران أو الخارجة منها لوقف امدادات الأسلحة لـ "حزب الله" و"حماس" وجهات أخرى من اجل اضعاف قدرات الايرانيين على تطوير برامجهم العسكرية والنووية. وشدد الديبلوماسي الأوروبي على أن عمليات التفتيش هذه قد تفجّر مواجهات بين السفن الأميركية والغربية والسفن الايرانية ويمكن أن تتحول نزاعاً عسكرياً واسعاً.
سادسا – يطلب القرار من الأمين العام للأمم المتحدة تشكيل لجنة دولية تضم ثمانية خبراء للاشراف على تنفيذ العقوبات المفروضة على ايران.
سابعا – يحذر القرار 1929 من انه اذا رفضت ايران التقيد بنص هذا القرار وتنفيذ الاجراءات والخطوات المطلوبة منها، فان مجلس الأمن "سيتبنى اجراءات ملائمة أخرى بموجب المادة 41 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لاقناع ايران بالامتثال لقرارات المجلس ولمتطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية". وقال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع "ان القرار 1929 يفتح الباب أمام فرض مزيد من العقوبات الدولية القاسية على ايران اذا ظلت متمسكة بمواقفها المتشددة، كما يؤمن تغطية شرعية دولية لعقوبات اضافية تنوي أن تفرضها أميركا ودول أوروبية وآسيوية على الجمهورية الاسلامية تشمل قطاعات حيوية وحساسة كقطاع النفط الذي استثناه القرار الدولي الجديد، مما يلحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الايراني".
وفي هذا المجال أكد لنا ديبلوماسي غربي مطلع "ان الدول المعنية بهذه القضية وعلى رأسها أميركا وفرنسا وبريطانيا وتركيا لم تفاجأ بامتناع لبنان عن التصويت على القرار 1929 بل كانت تتوقع اتخاذ موقف كهذا وترى انه ملائم وواقعي وحكيم ومشروع، لأن لبنان ليس جزءاً من المحور السوري – الايراني ولم يعد خاضعاً للهيمنة السورية كي يتبنى سياسات ايران ويصوت ضد هذا القرار، كما انه ليس طرفاً في النزاع الايراني – الدولي كتركيا والبرازيل اللتين عارضتا قرار العقوبات. بل أن لبنان جزء من المجموعة العربية الواسعة التي تتخوف الغالبية الكبرى من دولها من المخططات النووية والاقليمية لايران وترفضها". وأضاف: "ان لبنان ليس خاضعاً لحكم "حزب الله" وحلفائه بل انه يعيش في ظل حكومة وحدة وطنية تشكلت في رعاية عربية – دولية بعد فوز القوى الاستقلالية بغالبية واضحة في الانتخابات النيابية الأخيرة، وتهدف الى تعزيز السلم الأهلي ومعالجة المشاكل العالقة عبر الحوار وليس من طريق العنف والقوة المسلحة. والتصويت داخل مجلس الوزراء جاء في اطار تفاهم مسبق غير معلن عنه بين مختلف الأفرقاء لتأمين الامتناع في مجلس الأمن وليس لاتخاذ أي موقف آخر خلافاً لما توحي به تصريحات بعض حلفاء إيران".