حقوق الفلسطينيين لا تُعطى باقتراحات معجّلة مكرّرة بل بدرس في العمق
هل تُربط إزالة السلاح باستجابة المطالب؟
أخذت أوساط رسمية وسياسية ونيابية على النائب وليد جنبلاط طرحه باسم "اللقاء الديموقراطي" اقتراحات قوانين بصفة معجل مكرر على مجلس النواب ترمي الى تعديل المادة 59 من قانون العمل لجهة اقرار حق العمل بحرية للفلسطيني الموجود في لبنان في مختلف المجالات والمهن واعطائه الضمانات والتأمينات الاجتماعية وتعديل المادة 79 من القانون نفسه لجهة معاملة الاجراء الفلسطينيين معاملة الاجراء اللبنانيين وحق التقاضي في قضايا خلافات العمل امام المجلس التحكيمي المختص، وتعديل الفقرة الثانية من المادة الاولى من القانون المتعلق باكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية بحيث يحق للفلسطيني المولود على الاراضي اللبنانية والفلسطيني المسجل رسميا في سجلات وزارة الداخلية تملّك شقة سكنية واحدة، وعدم اعتبار ذلك يتعارض ومبدأ رفض التوطين.
ومآخذ الاوساط إياها على النائب جنبلاط هي الآتية:
اولا: إن هذه الاقتراحات المطروحة باسم "اللقاء الديموقراطي" لم يوقعها سوى النائبين ايلي عون وعلاء الدين ترو ورئيس اللقاء النائب وليد جنبلاط وان لا علم لسائر النواب في هذا اللقاء، في حين كان ينبغي مناقشتها في اجتماع للاستماع الى آراء اعضائه حتى اذا ما طرحت على الهيئة العامة لمجلس النواب تكون قد نالت موافقة نواب اللقاء اولا وصار في امكانهم طلب الكلام لشرحها والدفاع عنها.
ثانيا: إن اقتراحات لها هذه الاهمية وقد تثير الهواجس لدى البعض كان ينبغي ألا تعطى صفة المعجل المكرر وذلك افساحا في المجال لدرسها ومناقشتها في اللجان المختصة ومن ثم في الهيئة العامة لمجلس النواب، وليس كما حصل بمفاجأة هذه الهيئة بطرحها عليها فأحرج بعض الحلفاء وغير الحلفاء، ولو انها نوقشت لكانت صفة المعجل المكرر نزعت عنها، عدا ان طرحها لم يكن في الوقت المناسب وقبل تهيئة الاجواء لها.
ثالثا: يرى البعض ان الاقتراحات تشتم منها رائحة التوطين لان اي مهاجر او لاجئ يحصل على كامل حقوقه المدنية ويتملك في البلد الموجود فيه لا بد له ان يسعى للحصول على جنسية هذا البلد للبقاء فيه وعدم التفكير بالعودة الى وطنه الاصلي، وهو ما حتّم على اللاجئين الفلسطينيين ان يقيموا في مخيمات من صفيح وخشب وليس في منازل من حجر، ومُنع عليهم حتى ادخال اكياس اسمنت او حجار الى هذه المخيمات مخافة تحويلها منازل تتوافر فيها كل اسباب الراحة، بل للتأكيد ان اقامتهم في المخيمات هي اقامة موقتة تنتظر العودة.
رابعا: إن الاقتراح الذي يمنح اللاجئين الفلسطينيين حق العمل في مختلف المجالات والمهن والافادة من الضمانات والتأمينات الاجتماعية، وكذلك حق التملك، لا يأتي في المقابل على ذكر ما عليهم من واجبات حيال الدولة واولها ان تصبح المخيمات مناطق مفتوحة امام الدولة بكل مؤسساتها وان يصبح الامن فيها من مسؤولية الدولة وحدها وليس كما هو حاليا من مسؤولية قيادات التنظيمات الفلسطينية على اختلافها، ويحظر على عناصر الجيش وقوى الامن الدخول اليها إلا بموافقة هذه القيادات، وتتحول مربعات امنية، بل بؤرا امنية.
رابعا: سبق للجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني ان بحثت في ما للفلسطينيين من حقوق وما عليهم من واجبات توصلا الى تحسين اوضاعهم الانسانية والحياتية وازالة السلاح من خارج المخيمات وتنظيمه داخلها تنفيذها لقرار مؤتمر الحوار الوطني. وقد تقدمت الفصائل الفلسطينية التي كانت تطلق على نفسها في حينه "قوى التحالف" بلائحة مطالب استجيب بعهضا وظل بعضها الآخر قيد الدرس لانها في حاجة الى تعديل مراسيم وقوانين. وتبين انه مسموح للفلسطينيين بمزاولة اعمال كانت محرمة عليهم مثل اشغال الميكانيك والعمل في ورش البناء والطرق واعمال الطرش والدهان وغيرها من الاعمال المشابهة لها. اما المهن الحرة كالطب والهندسة والصيدلة، فالقانون اللبناني يمنع الفلسطينيين من مزاولة هذه المهن كما يمنع غير اللبنانيين من ذلك باستثناء رعايا الدولة التي تسمح بمزاولة اللبنانيين هذه المهن فيصبح على لبنان معاملتها بالمثل، وهذا لا ينطبق على الفلسطينيين لان ليس لديهم دولة حتى الآن. كما يحظر القانون على غير اللبنانيين الانتساب الى النقابات ما لم يكن قد حصل على الجنسية اللبنانية منذ عشر سنين.
اما في ما يتعلق بحق التملك، فقد سبق لعدد من الفلسطينيين ان اشتروا شققا بموجب قانون سابق وبشرط الحصول على موافقة مجلس الوزراء، لكنهم لم يتمكنوا من تسجيلها وفقا للاصول بعد صدور قانون يمنع حق التملك للفلسطينيين، فبات وضع هؤلاء في حاجة الى تسوية لاكمال عملية التسجيل ولحفظ حقوقهم العقارية، وهذا يتطلب تعديل قانون التملك سواء لهذه الجهة او غيرها (القانون تدرسه لجنة الادارة والعدل). وهناك ايضا فلسطينيون غير مسجلين مع عيالهم لا في قيود "الاونروا" ولا في سجلات مديرية شؤون اللاجئين، ومنهم من غادروا لبنان الى الخارج وسحبت منهم اجازة الاقامة ووثيقة السفر عند عودتهم وشطبت اسماؤهم من لائحة اللاجئين الفلسطينيين. وقد طُلب في حينه من وزارة الداخلية درس هذا الموضوع لان الفلسطينيين الذين يشطبون من لائحة اللاجئين يحرمون التعويض الذي يحق لهم بموجب القرار 194 في حال رفضهم العودة الى ديارهم وقبولهم البقاء حيث هم، وكذلك درس وقف اجراء سحب وثيقة الاقامة واعادة تلك المسحوبة منهم سابقا الى اصحابها.
وجرت في اجتماعات لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني معالجة قضية فاقدي الاوراق الثبوتية لفلسطينيين دخلوا بصورة غير شرعية وهم غير مسجلين في لبنان، وتقرر وضع لائحة باسماء المحكومين للنظر فيها لمعرفة طبيعة الجرم المحكومين به، هل هو سياسي ام هو جرم شائن كالقتل والسرقة والاحتيال والتزوير وغيرها.
وقد تبين للجنة ان تحسين الاوضاع الانسانية والحياتية داخل المخيمات ضروري لئلا يشجع استمرارها على مخالفة القوانين وعلى قيام مخربين ومرتكبي اعمال عنف. لكن هذا ليس من مسؤولية لبنان وحده بل من مسؤولية المجتمع الدولي ايضا الذي لم يؤمن للاجئين الفلسطينيين حق العودة وخصوصا ان عددهم زاد كثيرا عن يوم نزوحهم الى لبنان. كما تبين للجنة ان ليس في استطاعة موازنة "الاونروا" ولا في استطاعة لبنان توفير الاموال اللازمة، بل ان توفيرها يقع على عاتق المجتمع الدولي لان في تحسين اوضاع الفلسطينيين ما يساعد على توفير الامن والاستقرار في لبنان.
ولم تتوصل اللجنة في اجتماعاتها الى اتفاق على ازالة السلاح خارج المخيمات، اذ تبين ان الفصائل الفلسطينية، المتفقة على المطالب الانسانية والاجتماعية وعلى الحقوق المدنية، غير متفقة على هذا الموضوع لان ثمة فصائل خاضعة للسلطة السورية مثل "الجبهة الشعبية – القيادة العامة" و"فتح الانتفاضة" والتي لديها مطالب تعجيزية تربط استجابتها بموضوع السلاح، وقد يكون الاصرار عليها لتبرير بقاء هذا السلاح الذي تعتبره حاجة ماسة للدفاع عن المخيمات ضد اي عدوان وللدفاع ايضا عن حق العودة… وهذا ما لا تقتنع به قيادات سياسية لبنانية، لان تسهيل قيام الدولة القوية في لبنان هو الذي يجعلها مسؤولة عن حماية اللبنانيين وجميع المقيمين فيه، وهي القادرة على الدفاع عن لبنان وعن المخيمات في وجه اي اعتداء، لا ان يظل اللبنانيون وغير اللبنانيين يعتمدون على الامن الذاتي في الدفاع عن انفسهم مع استمرار غياب او تغييب الدولة. كما ان تأمين عودة الفلسطينيين الى ديارهم ومنع توطينهم حيث هم لا يتم باحتفاظهم بالسلاح بل بالتوصل الى تسوية شاملة لقضيتهم.
لذلك ينبغي عند البحث في المطالب الفلسطينية الواردة في اقتراحات نواب في "اللقاء الديموقراطي"، او في اقتراحات اخرى قد يتقدم بها نواب آخرون، ان يتم ربط استجابة بعض المطالب بموضوع السلاح خارج المخيمات لان ازالته تشكل جزءا من مطلب بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل اراضيها. فكما ان تحسين الاوضاع في المخيمات هو من مسؤولية لبنان والمجتمع الدولي، فان ازالة هذا السلاح هو من مسؤولية لبنان والمجتمع العربي وتحديدا سوريا، وذلك استجابة لما اجمع اللبنانيون عليه وتحقيقا لمبدأ ما على الدولة من حقوق للفلسطينيين وما على الفلسطينيين من واجبات للدولة.