على الحركة الاستقلالية أن تتحلى بـ"سرعة البديهة" حيال "المسائل الديموغرافية"
ربط الحقوق بالواجبات هو الموقف المنطقي
ما كان يُفترض أن يكون "رفض التوطين" هو الحجّة التي يستند إليها النوّاب المسيحيّون لإبداء وجهة نظرهم حول الحقوق المدنيّة للفلسطينيين، والسبيل الأمثل إلى تشريعها وحُسن تنظيمها. فمنذ مدّة غير وجيزة تحوّل "رفض التوطين"، وتحديداً على يد إميل لحّود وميشال عون (بعد عودته)، وما بينهما، إلى شعار مسخّر لإخضاع المسيحيين لمنظومة الممانعة التي يقودها النظام الأصوليّ الإيرانيّ في المنطقة، والتي يقودها "حزب الله"، بدءاً من العام 2005، في لبنان.
مع ذلك، كان صحيحاً ومبدئيّاً تماماً الربط بين منح الحقوق المدنيّة للفلسطينيين وبين إعادة وصل المخيمات الفلسطينية بمبدأ سيادة الدولة اللبنانية، أي مبدأ سيادة حكم القانون على كامل أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة. ذلك أن منح الحقوق المدنيّة للاجئين من دون سيادة حكم القانون اللبنانيّ على كافة أراضي الجمهوريّة يفرّغ القضية من محتواها. فقبل كل شيء، ليس هناك في مفهوم الدولة الحديثة حقوق بلا واجبات. تبنّي وجهة نظر الحداثة في موضوع الحقوق المدنية يعني أيضاً ربط الحقوق بالواجبات. موقف النوّاب المسيحيين كان محقّاً إذاً في الأساس، إنّما الخطأ كان في الاستظلال بشعار "رفض التوطين". وهنا يسجّل أن كتلة "القوّات اللبنانية" كانت الأقدر على النفاذ إلى المسألة الأساسية، مسألة الربط بين الحقوق والواجبات، وتطبيق هذه المسألة على القضية المطروحة من قبل نواب في "اللقاء الديموقراطيّ" أي مسألة منح الحقوق المدنيّة للفلسطينيين. في المقابل، كانت كتلة "التغيير والإصلاح" هي الأبعد عن هذا المنطق.
إلا أنّ ما حصل في المجلس النيابي يحمل مؤشّرات سلبيّة. إذ كان يفترض بالحركة الاستقلاليّة أن تُبرِز بمجموعها موقفاً يصرّ على استبعاد أي ربط بين موضوع منح الحقوق المدنيّة للفلسطينيين وبين موضوع رفض التوطين، ويؤكّد في الوقت عينه على مبدأ الربط بين الحقوق وبين الواجبات، وعلى ضرورة سيادة حكم القانون اللبناني على الجميع في لبنان، وضرورة أن تكون العلاقة بين لبنان واللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أرضه خاضعة لثنائية "الدولة اللبنانية"، و"منظمة التحرير الفلسطينية".
ينبغي أن تتحلّى الحركة الاستقلالية بـ"سرعة بديهة" أعلى مما تتصف به حاليّاً، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بقضايا معروف تماماً أنّها تطرح بقصدية معيّنة، هي قصدية الضرب على وتر الهواجس الديموغرافيّة لمسيحيي لبنان.
بشكل عام، يمكن المجازفة بالقول إنّ كل القضايا التي لا تتفرّع عن قضية مركزيّة هي "سلاح حزب الله"، إنّما تؤدّي إلى تمييع هذه القضيّة المركزيّة (أي السلاح)، أو هي تعمل على إسباغ الشرعية على هذا السلاح. لكن في الوقت نفسه، فإنّ الحركة الاستقلالية ينبغي أن تكون قادرة على مناقشة كل قضية "تمييعية" بمفردها، وأن تكون حاضرة بالحجّة المناسبة، للقضية المناسبة، وأن تكون كل حجّة تتقدّم بها الحركة الاستقلالية مناسبة لتقوية الوحدة الإسلامية المسيحية داخل هذه الحركة، ولتجذير فكرة "المناصفة".
أمّا الهواجس الديموغرافية المسيحيّة فهي موضوع جدّي للغاية، حتى ولو طرحت أحياناً بأشكال تقليديّة تخطّاها الزمن، أو عازها المنطق، أو ضاعت معها السياسة. إنّها هواجس واقعيّة، والمطلوب أن يتعاطى معها المسيحيّون بواقعية، وأن يقرّ المسلمون أيضاً بواقعيّتها. إنّ المسألة الديموغرافية المتّصلة بخسارة هذا الشرق المستمرّة لمسيحييه هي مسألة في غاية الأهميّة، ولا يمكن تحويلها إلى موضوع تندّر كما يفعل بعض المتلبّسين لتقليعات "ما بعد الحداثة" من الملتحقين بـ"الممانعة" التي يقودها الأصوليّون والغلاة.
بعد كلّ شيء ثمّة سببان أساسيّان لهذا النزيف الديموغرافيّ الحاصل. السبب الأوّل هو سيادة مناخ من التطرّف والأصوليّة والغلوّ في الشرق الأوسط. وهو مناخ يضاف إليه العداء المتفشّي للثقافة الغربية، بإسم مكافحة الاستشراق، والعداء لكل ما هو تاريخ قديم لهذه المنطقة. السبب الثاني هو تعطّل الدور النهضويّ الحداثويّ لمسيحيي لبنان والشرق، وهو الدور القائم أساساً على معادلة استرجاع التاريخ القديم للمنطقة، والانخراط العضويّ في الحداثة الغربيّة الكونيّة. بدلاً من هذا الدور، هناك من يطرح على المسيحيين اليوم منطق الالتحاق الذمّي بمعسكر الممانعة الإيرانيّة، أي منطق انفصام المسيحيين عن تاريخهم القديم وإدارة ظهرهم للحداثة الغربيّة الكونيّة، ومنطق إنعزالهم في الوقت نفسه عن المسلمين العرب، وقبل كل شيء، عن الفكرة القوميّة العربيّة المبلورة بشكل مشترك تماماً بين المسلمين والمسيحيين العرب في النصف الأوّل من القرن الماضي.
غاية القول إنّه آن الأوان للمسيحيين أن يتجاوزوا الهواجس الديموغرافية، لكن ليس بإتجاه عدم التفكير بالديموغرافيا، وإنّما بإتجاه ما يمكن الإصطلاح على تسميته "الوعي الديموغرافيّ التاريخيّ"، الذي يعيد ربط الأسئلة حول الحجم والوزن بالأسئلة حول الدور والرسالة. المطلوب دائماً طرح المسألة "العددية".. إنما المطلوب طرحها بمضمون نوعيّ.