#adsense

بطريرك كل لبنان

حجم الخط

اذا كانت سمة معظم السياسيين في لبنان هي التلون ونقل البندقية من كتف الى كتف بلمح البصر، فإن سمة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير هي الثبات على الموقف الوطني الصحيح الذي يعكس رأياً عاماً غالباً في البلد، لا بل انه وللمرة الاولى في تاريخ لبنان الحديث يعبّر عن رأي عام عابر للطوائف والاحزاب، حتى تلك التي لا تختلف قياداتها مع البطريرك.

ان ما قاله البطريرك صفير في زيارته الاخيرة لفرنسا لم يكن جديدا، فقد سبق له ان عبر في اكثر من مناسبة ومقام عن وجهة نظر حاسمة بتغليب منطق الدولة في ظل نظام ديموقراطي يقوم على مؤسسات عامة يشعر معها كل لبناني انه مواطن يحكمه قانون واحد. فالبطريرك الذي يعارض وجود جيشين معتبرا انه لم يسبق في العالم ان قام جيشان على ارض واحدة، وخصوصا ان الاراضي اللبنانية قد تحررت، وما بقي ليتحرر لا يستأهل تجميع اكبر قوة مسلحة محكومة لأجندات خارجية على ارض لبنان.

في باريس كان الاهم بالنسبة الى الرأي العام الواسع الذي يتناغم مع البطريرك انه جدد معنى الثبات على الحق، وغرس أكثر فأكثر فكرة الشجاعة الهادئة والمسؤولة التي لا تخاف موازين القوى الآنية، ولا تقدم الخاص على العام. كان الاهم بالنسبة الى المواقف التي اطلقها انه عزز مفهوم قول الحق ولو اجتمعت الدنيا ضده لأن الحق يبقى كذلك حتى لو تجمعت أسلحة العالم وصواريخه في مواجهة الشعب اللبناني الحالم بالحرية والديموقراطية وبالدولة التي تسودها مساواة، فلا تقع فريسة التهديد الدائم بالسلاح، لا ضحية الخوف والهلع.

في لبنان، كما أسلفنا، رأي عام عابر للطوائف آمن ويؤمن بثورة الارز، وهذا الرأي العام ثابت لم يتزحزح على رغم كل الرقص السياسي السائد. وفي لبنان رأي عام عابر للطوائف والاحزاب يرى في البطريرك ناطقا أميناً باسمه. وكما المسيحيون ثمة مئات الآلاف من المسلمين سنة، شيعة ودروزاً ممن يقفون إجلالاً أمام بطريرك مسيحي الذي عرف ويعرف كيف يعكس هواجسهم وتطلعاتهم وأحلامهم. ولذا استحق ان يلقب بطريرك كل لبنان.

وغداً أو بعده ستنطلق حملات جديدة قديمة ضد البطريرك الشجاع، الذي يقول كلمته للتاريخ إرضاء لضميره، ستسخر أصوات مسيحية وغير مسيحية للنيل منه. وكما لن تكون المرة الاولى التي يستهدف، لن تكون المرة الاخيرة التي يقفز فيها فوق الحملات المبرمجة والمنظمة ليظل يرفع الصوت عالياً في وجه الظلم اللاحق ببلد الارز.

ان الموقف الذي يعود إليه البطريرك صفير هو رفض السلاح من خارج الدولة، فهو قلب الازمة اللبنانية الراهنة. وما لم يسحب السلاح من خارج الشرعية فلن تقوم قائمة لا للبنان ولا للدولة. ومن هنا ضرورة ان يبقى الرأي العام اللبناني الغالب متشبثاً بسلاح الموقف فلا يشرعن بحجة الخوف و الهلع ما لا يشرعن، ولا يستسلم أمام تهديد سلاح الداخل.

ان طاولة الحوار الوطني التي انعقدت قبل يومين يجب أن تبقى دليلاً راسخاً على أن السلاح (تحديداً السلاح) هو موضوع خلافي في الوطن. وإذا كانت الجهة المعنية اليوم لا تقيم وزناً لرأي غالبية لبنانية رافضة لهذا الواقع، فإن المهم ألا ييأس اللبنانيون من التلوّن السياسي ما دام ان في لبنان أصوات حق كصوت البطريرك صفير، والمطران الياس عوده وهو المعبر أيضاً بقوة عن وجدان مروحة واسعة من اللبنانيين الاستقلاليين.
تحية إلى بطريرك كل لبنان…

المصدر:
النهار

خبر عاجل