في خضم التضليل الذي يزرعه "حزب الله" في موضوع المقاومة والاتهامات التي يسوقها يمينا ويسارا ضد من لا يناصر نهجه وسياساته واستراتيجياته – نرى ان الحزب في حقيقة الامر وككل مرة يحاول الهروب الى الامام كلما اثيرت بوجهه مواقف التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية ووحدانية سلاحها ووحدة ومركزية قرارات الحرب والسلم .
هذا الهروب الى الامام بدوره يفشل ومهما حاول القيمون عليه الالتفاف على مواقف سيد بكركي و"14 اذار" ولا سيما "القوات اللبنانية" وحلفائهم المسيحيين – بخاصة ان "الحزب" في محاولاته وكفاحه المستميت من اجل تكريس المصالح الغريبة على حساب مصلح لبنان – انما ينسى جملة من الثوابت التي لطالما كانت في اساس اي نزاع داخلي لبناني وفهمها وتجنبها هو في اساس اي حل او تسوية للوضع اللبناني الداخلي.
من اهم هذه الثوابت ان "حزب الله" يضرب عرض الحائط نئي لبنان عن صراعات الشرق الاوسط. فبعدما جاهد اللبنانيون على مدار 30 سنة ونيف في محاولة فصل لبنان عن ازمة المنطقة لما كلف هذا الربط لبنان اكثر من سواه من حروب وتدمير وخسائر ومأسي، ونجحوا عام 2005 في فصل المصير والمسار عن مصير ومسار النظام الاقليمي المتناقض والمتواجه والمتخاصم، اذا بـ"حزب" الله اليوم يعيد ربط لبنان بازمات المنطقة من فكر المواجهة الى فكر الحق النووي الايراني – من هنا الخوف على لبنان وعلى صيغته الداخلية اليوم كما منذ 40 او 50 عاما حين كان السلاح الفلسطيني يأكل كل يوم من سيادة الدولة وحرية واستقلال الوطن لينتهي المطاف الى سقوط الدولة والسيادة عام 1975 ويتوّج هذا السقوط عامي 1982 مع الاجتياح الاسرائلي للبنان و1990 بتسليم سوريا الوصاية على لبنان.
من هنا يبرز العقم لدى في "حزب الله" بفهم مبدئين جوهريين:
الاول: ان اي انحياز لبناني داخلي الى اي سياسة اقليمية سيؤدي لا محال الى انقسام لبناني داخلي لن يقوم بعده اجماع ولن تستطيع الدولة ولو بمئة طاولة حوار معالجته.
الثاني: ان اي انحياز لبناني داخلي الى دولة اقليمية في ظل عدم نضوج الصيغ النهائية للتفاهمات بين لبنان والدولة الاقليمية سيعتبر اعادة لعقارب الساعة الى الوراء، خصوصاً اننا لا نزال في مرحلة اعادة بناء الثقة لا سيما مع النظام السوري.
فلبنان بديمقراطيته التوافقية التي بشرت وناضلت قوى "8 اذار" لاستبدالها بديمقراطية صناديق الاقتراع – هي بنفسها الديمقراطية التي يجب ان تمنع او تردع اي انحياز احادي الجانب من داخل لبنان الى اي محور اقليمي ضد محور اقليمي اخر – هذه الديمقراطية التوافقية هي عينها التي يجب ان تكبح "حزب الله" في مضيه في لعبة التحالفات والمحاور الاقليمية على حساب لبنان ودولته وسيادته.
كما ان الديمقراطية التوافقية التي بشروا بها هي عينها التي يجب ان تمنع حكم لبنان من طهران او دمشق – لان مثل هذه الصيغة سرعان ما تعيد خلط الاوراق الداخلية في لبنان وبالتالي تزيل اي اجماع وطني واي ثقة جامعة بسلاح الحزب واهداف الاحزاب.
فانطلاقا من مجمل هذه المقاربة نستخلص ما يأتي:
اولا: ان "حزب الله" ينطلق من وهم وجود اجماع على سياسته ووجوده لينفذ منه باتجاه ادعاء المشروعية وبالتالي الصفة الوطنية فيما حقيقة الامر ان "الحزب" لا يريد ان يفهم ان دعم اللبنانيين لمبدأ المقاومة لا يبيح للحزب اخذهم الى لعبة المحاور والاصطفافات الاقليمية والدولية تحت ستار المقاومة ودعم خطها – فثمة فرق كبير بين دعم مبدأ المقاومة التي يجمع عليها كل لبناني شريف وبين مبدأ دعم المخططات الخارجية من خلال تسليح المقاومة.
ثانيا: الامر الثاني الذي لايريد ان يفهمه "حزب الله" هو في ان اعادة ربط لبنان بازمة المنطقة والصراع العالمي في المنطقة ما سيؤثر سلبا على لبنان اولا وهو الاضعف في حلقة المواجهة طالما ان بعض اللبنانيين لا يزال زراعا لايران ونظام دمشق اي الملعوب بهم والمسيرين لا اصحاب القرار – وبالتالي فان هذا الانحياز التنفيذي الذي لا يحوز على تأييد كل اللبنانيين وعلى اجماع كل الشعب، سيزيد من الانقسامات بين اللبنانيين ولن يسهم ذلك في قيام عقد اجتماعي جديد بين البنانيين مبني على رؤية لبنانية موحدة للدور اللبناني في المنطقة والعالم.
فأكبر اثبات على وجود هذا الانقسام جاء مؤخرا في مجلس الوزراء الذي انقسم في قرار دعم العقوبات الدولية ضد ايران – بحيث ظهر بوضوح عدم رضى نصف لبنان على سياسات ايران الاقليمية واللبنانية – ما يثبت بالمناسبة ايضا ان "القوات اللبنانية" ليست الوحيدة التي تعارض الموقف الايراني في لبنان والا لحسبنا الوزراء الـ 14 المعترضين على تأييد الموقف الايراني في خانة كونهم قواتيين … فيما الحقيقة ان رفض السياسات الايرانية في لبنان موقف نصف الشعب اللبناني ان لم نقل اكثر بكافة اطيافه ومشاربه.
ثالثا: ان "حزب الله" لا يريد ان يفهم ان ما من شيء في لبنان يمكن ان ينال اجماعا لبنانيا الا ما يكون كل لبناني مقتنع به – فلبنان لا يطوع ولا يخضع ولا يستفز بمثل الطريقة التي يعتمدها "الحزب" ومعه "المقاومجية" في تصديهم للتيار الاعتراضي المقابل لهم – لان لبنان مبني في صيغته وتركيبته على توافق اللبنانيين وكل ما هو خارج التوافق يصبح موضوع انقسام وتفتيت وتصادم – وبالتالي فاننا لا نفهم اصرار "الحزب" على فرض خياراته الاحادية وتوجهاته الاقليمية وحساباته الاستراتيجية وكأنه فعلا جسم غريب في قلب المعادلة اللبنانية اذ بمثل هذه الهرطقة هو الذي يعزل نفسه عن الاجماع اللبناني وهو الذي يرتضي الاستمرار في منازلة القسم الاخر من لبنان بدل ان يعمل على تقريب كل لبناني منه ويعمل بما تمليه مصلحة لبنان اولا وبالتالي مصلحة كل اللبنانيين.
وهكذا فان الفكر في "حزب الله" يعاني من عقدة اللبننة – فلا يكفي ان يضم "الحزب" عناصر لبنانية ليعتبر لبنانيا بل يجب ان يكون فكره السياسي والنضالي لبنانيا منطلقا من ثوابت لبنانية وحقيقة الواقع اللبناني لا متعال عليه ولا مستقو عليه. .
فمشكلة "حزب الله" انه خرج منذ ما بعد تحرير الجنوب من كونه مقاومة لبنانية الى ما اصبح حاله اليوم اداة بيد انظمة ذات اجندات وحسابات ومصالح غريبة ومتناقضة احيانا كثيرة مع مصالح واجندات وحسابات لبنان ودوره التاريخي ورسالته الحضارية بين الشرق والغرب.
فالى ان يفهموا في الحزب هذا الكلام … ليعملوا على الاقل على وقف حملاتهم الفارغة المضمون والابعاد ضد مسيحيي "14 اذار" الا اذا كانوا شغوفين في اعادة عقارب الساعة الى الوراء – وهي لن تعود – فينبري المسيحي اللبناني مرة جديدة في خط الدفاع الامامي عن الهوية اللبنانية والدولة اللبنانية فيما قسم منها حتى مستقيل من واجبه او مسلم بالقضاء والقدر …