كتب سعد الياس في "صدى البلد":
على غير عادته حدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد شهر أي 13 تموز موعداً لجلسة تشريعية جديدة لاقرار الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان، وكأنه بذلك يريد إفهام الجميع أن لا تساهل في هذه المسألة وعليهم حزم أمرهم لتمرير الاقتراحات الاربعة لرئيس " اللقاء الديموقراطي " النائب وليد جنبلاط بالتوافق وإلا…بالتصويت الاكثري.
ثمة الكثير من الاسئلة تُطرح حول ما ينتظر هذه الاقتراحات الجنبلاطية، فهي بعدما أحيلت الى لجنة الادارة من يضمن أنها ستُقرّ في اللجنة التي تضم عدداً لابأس به من النواب المسيحيين المعترضين على الاقتراحات يقارب نصف أعضاء اللجنة وهم روبير غانم، ايلي كيروز، سيرج طورسركيسيان، غسان مخيبر، ميشال الحلو، نديم الجميّل، نعمة الله ابي نصر، وهادي حبيش، وربما نقولا فتوش، فيما النائب ايلي عون الموقع على الاقتراحات سيكون في صف المؤيدين وهم النواب:علي حسن خليل، سمير الجسر، محمد رعد،علي خريس، عماد الحوت، وغازي زعيتر.وماذا لو رفضت أكثرية أعضاء اللجنة الاقتراحات أو أدخلت عليها تعديلات جذرية؟ ماذا سيكون موقف الرئيس بري؟ هل سيحترم ارادة ألاكثرية في اللجنة أم سيجعل الكلمة الفصل للهيئة العامة التي بات معروفاً أنها قادرة بتحالفات الكتل الكبيرة أو الاصحّ بالتحالف الرباعي القديم – الجديد الذي يضم حزب الله والتنمية والتحرير والمستقبل واللقاء الديموقراطي اضافة الى البعث والقومي السوري على إمرار هذه الاقتراحات من دون الأخذ بعين الاعتبار أي هواجس مسيحية من التوطين.
وانطلاقاً من معيار أن لا المسيحيون في لبنان ضد الحقوق المدنية للفلسطينيين ولا المسلمون مع التوطين، من المفيد العودة قليلاً الى الوراء للسؤال عما حال دون اقرار هذه الحقوق الفلسطينية في زمن الوصاية السورية حيث لم يكن هناك فعلاً لا تمثيل كتائبي ولا تمثيل قواتي ولا تمثيل عوني للحؤول دون قيام المجلس النيابي بالتصديق على هذه الحقوق، ومن هنا لا يجوز الايحاء وتصوير الامور بأن المسيحيين هم ضد هذه الحقوق:
1- لماذا عدّل البرلمان اللبناني في شهر آذار من العام 2001 قانون تملك الاجانب وإستثنى الفلسطيني من حق تملك العقارات مشترطاً أنه " لرعايا الدول المعترف بها الحق بتملك عقارات شرط ألا تتعارض هذه الملكية مع مبدأ رفض التوطين الذي كرّسه الدستور "؟فهل كان البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وراء هذا التعديل من كرسيّه في بكركي، أم سمير جعجع من سجنه السياسي، أم ميشال عون وأمين الجميّل من منفاهما القسري؟ وهل لم تعد الملكية تتعارض اليوم مع التوطين ؟ ثم لماذا رفض المجلس الدستوري هو نفسه الذي عيّنه أقطاب تلك المرحلة بعد فترة طعناً بقانون التعديل الذي حرم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من حق تملك العقارات، وقد جاء في قرار المجلس الدستوري " أن مبدأ المساواة الذي استند إليه المتقدمون بالطعن لا يعارض عدم التزام المشرّع بالقانون عندما تقتضي ذلك المصلحة العليا".
2- في منتصف تشرين الاول من العام 2003 وقّع 10 نواب اقتراحاً يسمح للفلسطينيين بتملك شقة لأن التمييز غير مقبول ويتعارض كما جاء في الاسباب الموجبة مع " إنتماء لبنان وانضمامه الى الاتفاقات والمواثيق الدولية وميثاق الامم المتحدة المتعلقة بحقوق الانسان "، ويومها وقّع هذا الاقتراح نواب من مختلف الكتل وهم: مروان فارس, محمد قباني, علاء الدين ترو, محمد فنيش, عاصم قانصوه, قيصر معوض, وليد عيدو، علي خريس، أكرم شهيب، ونزيه منصور، فلماذا لم يُقرّ الاقتراح وما الذي منع اقراره هل نواب الكتائب والقوات والتيار الوطني الحر؟.
3- لقد رفض مجلس الوزراء في العام 2003 موضوع التوطين فعلى ماذا إستند ليعلن هذا الموقف؟ ألم يأتِ الرفض رداً على اقتراح تقدمت به عضو الكونغرس الاميركي إليانا روس لهتينان بإسمها ونيابة عن زميلين لها لوضع برنامج لاعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان المضيفة، وكذلك الاقتراح الذي تقدم به ايضاً بعض نواب البرلمان الاوروبي لاعطاء الللاجئين جنسية الدول التي يقيمون فيها؟ فأين المتحمسون اليوم من هذين الاقتراحين الاميركي والاوروبي؟واذا صحّ الامر يصبح النواب المسيحيون هم فعلاً لا قولاً ضد الادارة الاميركية والتوجهات الاوروبية الامبريالية فيما النواب المسلمون يمهّدون الطريق لبرنامج التوطين.
4- إن حليف سوريا وحزب الله وخط الممانعة والمقاومة الرئيس اميل لحود أعلن في عهده بالتزامن مع محاولات تعديل القانون للسماح للفلسطيني بالتملك " أن رفض التوطين هو من القواعد الثابتة التي يعتمدها في السياسة الاستراتيجية, وأي نص أو تشريع أو حتى معاملة فردية تتعارض مع هذا المبدأ سيكون مصيرها الرفض ايضاً انطلاقاً من تعارضها مع الدستور". وقد أبلغ لحود يومها الرئيس بري موقفه المعارض لاْي إجراء يمكن ان يتناقض مع قرار رفض توطين الفلسطينيين.فهل كان الرئيس لحود في تلك الايام خارج خط الممانعة والمقاومة وحليف اليمين؟وهل سيتخذ الرئيس الحالي ميشال سليمان موقفاً أقل من موقف سلفه لحود؟.
5- عندما تمّ التفكير بتنفيذ مشروع القريعة في اقليم الخروب لاستضافة ستة آلاف عائلة مهجرة من المخيمات الفلسطينية المدمّرة وتتضمن مشاغل خفيفة لتوفير عمل للفلسطينيين، لماذا صدرت مواقف سياسية من رموز تلك المرحلة نظرت الى القريعة على أنها تهدف الى ابقاء الفلسطينيين في لبنان،ومن الذي أوقف المشروع الذي يمتد على مساحة 1،200،000 متر مربع تستوعب 12 ألف اسرة وليس فقط ستة آلاف هل الانعزال اللبناني المسجون والمنفي أم القوة السياسية والامنية الحاكمة في تلك الفترة؟
كل هذه الوقائع تثبت أن ما تشهده أروقة مجلس النواب هي نوع من المزايدات على الفلسطينيين وإن تحميل المسيحيين مسؤولية تطيير الاقتراحات هو في غير محله.فالنواب المسيحيون ليسوا بالمطلق ضد تحسين ظروف عيش الاخوة الفلسطينيين ودعمهم وهم ليسوا مع المبالغة في حرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم بحجة الخوف من التوطين,بل هم مع مشروع متكامل يترافق مع ضوابط يحفظ كرامة الفلسطيني وسمعة لبنان حتى لا يبالغ البعض في اتهامهم بأنهم هم وراء النكبة الفلسطينية وينسى اسرائيل المسؤولة عن تهجيرهم وحصارهم ومعاناتهم،أو ينسى ما تقرّر على طاولة الحوار حول السلاح الفلسطيني، فيستهدف بهكذا اتهامات ما تبقّى من وحدة لبنان ويعيد الى الاذهان الصفحة السوداء التي طواها المسيحيون مع منظمة التحرير الفلسطينية في أكثر من لقاء عقد في بكركي أو في بيت الكتائب أو في معراب.